محمد بن جرير الطبري

42

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثَمانِيَ حِجَجٍ يعني بقوله : عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي : على أن تثيبني من تزويجها رعي ماشيتي ثماني حجج ، من قول الناس : آجرك الله فهو يأجرك ، بمعنى : أثابك الله ؛ والعرب تقول : أجرت الأجير آجره ، بمعنى : أعطيته ذلك ، كما يقال : أخذته فأنا آخذه . وحكى بعض أهل العربية من أهل البصرة أن لغة العرب : أجرت غلامي فهو مأجور ، وآجرته فهو مؤجر ، يريد : أفعلته . قال : وقال بعضهم : آجره فهو مؤاجر ، أراد فاعلته ؛ وكأن أباها عندي جعل صداق ابنته التي زوجها موسى رعي موسى عليه ماشيته ثماني حجج ، والحجج : السنون . وقوله : فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ يقول : فإن أتممت الثماني الحجج عشرا التي شرطتها عليك بإنكاحي إياك إحدى ابنتي ، فجعلتها عشر حجج ، فإحسان من عندك ، وليس مما اشترطته عليك بسبب تزويجك ابنتي . وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ باشتراط الثماني الحجج عشرا عليك . سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ في الوفاء بما قلت لك . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يقول تعالى ذكره : قالَ موسى لأبي المرأتين ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أي هذا الذي قلت من أنك تزوجني أحدى ابنتيك على أن آجرك ثماني حجج ، واجب بيني وبينك ، على كل واحد منا الوفاء لصاحبه بما أوجب له على نفسه . وقوله : أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ يقول : أي الأجلين من الثماني الحجج والعشر الحجج قضيت ، يقول : فرغت منها فوفيتكها رعى غنمك وماشيتك فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ يقول : فليس لك أن تعتدي علي ، فتطالبني بأكثر منه ، و " ما " في قوله : أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ صلة يوصل بها أي على الدوام ، وزعم أهل العربية أن هذا أكثر في كلام العرب من أي ، وأنشد قول الشاعر : وأيهما ما أتبعن فإنني * حريص على أثر الذي أنا تابع وقال عباس بن مرداس : فأيي ما وأيك كان شرا * فقيد إلى المقامة لا يراها وقوله : وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ كان ابن إسحاق يرى هذا القول من أبي المرأتين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : قال موسى ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ قال : نعم . وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ فزوجه ، وأقام معه يكفيه ، ويعمل له في رعاية غنمه ، وما يحتاج إليه منه ، وزوجة موسى صفورا أو أختها : شرفا أو ليا حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال ابن عباس ؛ الجارية التي دعته هي التي تزوج . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال له إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي إلى آخر الآية ، قال : وأيتهما تريد أن تنكحني ؟ قال : التي دعتك ، قال : لا . ألا وهي بريئة مما دخل نفسك عليها ، فقال : هي عندك كذلك ، فزوجه . وبنحو الذي قلنا في قوله : أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ إما ثمانيا ، وإما عشرا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني ابن لهيعة ، عن عمارة بن غزية ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وسأله رجل قال أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ قال : فقال القاسم : ما أبالي أي ذلك كان ، إنما هو موعد وقضاء . وقوله : وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ يقول : والله على ما أوجب كل واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القول ، شهيد وحفيظ . كالذي . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ،