محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

" فلا تجعلني ظهيرا للمجرمين " كأنه على هذه القراءة دعا ربه ، فقال : اللهم لن أكون ظهيرا ولم يستثن عليه السلام حين قال فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ فابتلي . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ يقول : فلن أعين بعدها ظالما على فجره ، قال : وقلما قالها رجل إلا ابتلي ، قال : فابتلي كما تسمعون . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ . . . مُبِينٌ يقول تعالى ذكره : فأصبح موسى في مدينة فرعون خائفا من جنايته التي جناها ، وقتله النفس التي قتلها أن يؤخذ فيقتل بها يَتَرَقَّبُ يقول : يترقب الأخبار : أي ينتظر ما الذي يتحدث به الناس ، مما هم صانعون في أمره وأمر قتيله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني العباس بن الوليد ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا أصبغ بن زيد ، قال : ثنا القاسم عن أبي أيوب ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ قال : خائفا من قتله النفس ، يترقب أن يؤخذ . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن الذي : فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ قال : خائفا أن يؤخذ . وقوله : فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يقول تعالى ذكره : فرأى موسى لما دخل المدينة على خوف مترقبا الأخبار عن أمره وأمر القتيل ، فإذا الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس على الفرعوني يقاتله فرعوني آخر ، فرآه الإسرائيلي فاستصرخه على الفرعوني . يقول : فاستغاثه أيضا على الفرعوني ، وأصله من الصراخ ، كما يقال : قال بنو فلان : يا صباحاه ، قال له موسى : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ يقول جل ثناؤه : قال موسى للإسرائيلي الذي استصرخه ، وقد صادف موسى نادما على ما سلف منه من قتله بالأمس القتيل ، وهو يستصرخه اليوم على آخر : إنك أيها المستصرخ لغوي : يقول : إنك لذو غواية ، مبين : يقول : قد تبينت غوايتك بقتلك أمس رجلا ، واليوم آخر . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني العباس ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا أصبغ بن زيد ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أتي فرعون ، فقيل له : إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون ، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك ، قال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه ، لا يستقيم أن نقضي بغير بينة ولا ثبت فاطلبوا ذلك ، فبينما هم يطوفون لا يجدون شيئا ، إذ مر موسى من الغد ، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس ، وكره الذي رأى ، فغضب موسى ، فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني ، فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال هذا ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس إذ قتل فيه الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ إياه أراد ، ولم يكن أراده ، إنما أراد الفرعوني ، فخاف الإسرائيلي فحاجه ، فقال يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ ؟ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله ، فتتاركا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة : فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قال : الاستنصار والاستصراخ واحد . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يقول : يستغيثه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما قتل موسى القتيل ، خرج فلحق بمنزله من مصر ، وتحدث الناس بشأنه ، وقيل : قتل موسى رجلا حتى انتهى ذلك إلى فرعون ، فأصبح موسى غاديا الغد ، وإذا