محمد بن جرير الطبري
14
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الصور ، فأعطاه ملكا ، فهو واضعه على فيه ، شاخص ببصره العرش ، ينتظر متى يؤمر " . قال : قلت : يا رسول الله ، وما الصور ؟ قال : " قرن " ، قلت : فكيف هو ؟ قال : " عظيم ، والذي نفسي بيده ، إن عظم دائرة فيه ، لكعرض السماوات والأرض ، يأمره فينفخ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله " ، ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث أبي كريب عن المحاربي ، غير أنه قال في حديثه " كالسفينة المرفأة في البحر " . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ونفخ في صور الخلق . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي في الخلق ، قوله : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يقول : ففزع من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الجن والإنس والشياطين ، من هول ما يعاينون ذلك اليوم . فإن قال قائل : وكيف قيل : ففزع ، فجعل فزع وهي فعل مردودة على ينفخ ، وهي يفعل ؟ قيل : العرب تفعل ذلك في المواضع التي تصلح فيها إذا ، لأن إذا يصلح معها فعل ويفعل ، كقولك : أزورك إذا زرتني ، وأزورك إذا تزورني ، فإذا وضع مكان إذا يوم أجرى مجرى إذا . فإن قيل : فأين جواب قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ قيل : جائز أن يكون مضمرا مع الواو ، كأنه قيل : ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ، وذلك يوم ينفخ في الصور . وجائز أن يكون متروكا اكتفي بدلالة الكلام عليه منه ، كما قيل : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فترك جوابه . وقوله : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قيل : إن الذين استثناهم الله في هذا الموضع من أن ينالهم الفزع يومئذ الشهداء ، وذلك أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وإن كانوا في عداد الموتى عند أهل الدنيا ، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرناه في الخبر الماضي . وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام عمن حدثه ، عن أبي هريرة ، أنه قرأ هذه الآية : فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال : هم الشهداء . وقوله : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ يقول : وكل أتوه صاغرين . وبمثل الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ يقول : صاغرين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قال : صاغرين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قال : الداخر : الصاغر الراغم ، قال : لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه ، قال : فلما نفخ في الصور فزعوا ، فلم يكن لهم من الله منجى . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ فقرأته عامة قراء الأمصار : " وكل آتوه " بمد الألف من أتوه على مثال فاعلوه ، سوى ابن مسعود ، فإنه قرأه : " وكل أتوه " على مثال فعلوه ، واتبعه على القراءة به المتأخرون الأعمش وحمزة ، واعتل الذين قرءوا ذلك على مثال فاعلوه بإجماع القراء على قوله : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ قالوا : فكذلك قوله : " أتوه " في الجمع . وأما الذين قرءوا على قراءة عبد الله ، فإنهم ردوه على قوله : فَفَزِعَ كأنهم وجهوا معنى الكلام إلى : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ، وأتوه كلهم داخرين ، كما يقال في الكلام : رأى وفر وعاد وهو صاغر . والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، ومتقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ يقول تعالى ذكره : وَتَرَى الْجِبالَ يا محمد تَحْسَبُها قائمة