محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
المحسن منهم المحق بجزائه . وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ يقول : وربك العزيز في انتقامه من المبطل منهم ومن غيرهم ، لا يقدر أحد على منعه من الانتقام منه إذا انتقم العليم بالمحق المحسن من هؤلاء المختلفين من بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه ، ومن غيرهم من المبطل الضال عن الهدى . القول في تأويل قوله تعالى : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . . مُدْبِرِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ففوض إلى الله يا محمد أمورك ، وثق به فيها ، فإنه كافيك . إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ لمن تأمله ، وفكر ما فيه بعقل ، وتدبره بفهم ، أنه الحق ، دون ما عليه اليهود والنصارى المختلفون من بني إسرائيل ، ودون ما عليه أهل الأوثان المكذبوك فيما أتيتهم به من الحق ، يقول : فلا يحزنك تكذيب من كذبك ، وخلاف من خالفك ، وامض لأمر ربك الذي بعثك به . وقوله : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى يقول : إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته ، لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ يقول : ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله عن سماعه سمعه . إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ يقول : إذا هم أدبروا معرضين عنه ، لا يسمعون له لغلبة دين الكفر على قلوبهم ، ولا يصغون للحق ، ولا يتدبرونه ، ولا ينصتون لقائله ، ولكنهم يعرضون عنه ، وينكرون القول به ، والاستماع له . القول في تأويل قوله تعالى : وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ . . . يُؤْمِنُ بِآياتِنا . . . بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : وَما أَنْتَ بِهادِي بالياء والألف وإضافته إلى العمي بمعنى : لست يا محمد بهادي من عمي عن الحق عن ضلالته . وقراءة عامة قراء الكوفة " وما أنت تهدي العمي " بالتاء ونصب العمي ، بمعنى : ولست تهديهم عَنْ ضَلالَتِهِمْ ولكن الله يهديهم إن شاء . والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مشهورتان في قراء الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وتأويل الكلام ما وصفت وَما أَنْتَ يا محمد بِهادِي من أعماه الله عن الهدى والرشاد فجعل على بصره غشاوة أن يتبين سبيل الرشاد عن ضلالته التي هو فيها إلى طريق الرشاد وسبيل الرشاد . وقوله : إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا يقول : ما تقدر أن تفهم الحق وتوعيه أحدا إلا سمع من يصدق بآياتنا ، يعني بأدلته وحججه وآي تنزيله فَهُمْ مُسْلِمُونَ فإن أولئك يسمعون منك ما تقول ويتدبرونه ، ويفكرون فيه ، ويعملون به ، فهم الذين يسمعون . . . . . ذكر من قال مثل الذي قلنا في قوله تعالى : وَقَعَ حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ قال : حق عليهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ يقول : إذا وجب القول عليهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ قال : حق العذاب . قال ابن جريج : القول : العذاب . ذكر من قال قولنا في معنى القول : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ والقول : الغضب . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن هشام ، عن حفصة ، قالت : سألت أبا العالية ، عن قوله : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ فقال : أوحى الله إلى نوح أَنَّهُ