محمد بن جرير الطبري

6

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا . فأما القراءة التي ذكرت عن ابن عباس ، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب ، فخلاف لما عليه مصاحف المسلمين ، وذلك أن في بلى زيادة ياء في قراءاته ليست في المصاحف ، وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قراء الأمصار . وأما القراءة التي ذكرت عن ابن محيصن ، فإن الذي قال فيها أبو عمرو قول صحيح ، لأن العرب تحقق ببل ما بعدها لا تنفيه . والاستفهام في هذا الموضع إنكار لا إثبات ، وذلك أن الله قد أخبر عن المشركين أنهم من الساعة في شك ، فقال : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : بل أدرك علمهم في الآخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لم ينفعهم يقينهم بها ، إذ كانوا بها في الدنيا مكذبين . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : " بل أدرك علمهم " قال : بصرهم في الآخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر . وقال آخرون : بل معناه : بل غاب علمهم في الآخرة . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : " بل أدرك علمهم في الآخرة " يقول : غاب علمهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : بل ادراك علمهم في الآخرة قال : يقول : ضل علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم ، هُمْ مِنْها عَمُونَ . وقال آخرون : معنى ذلك : لم يبلغ لهم فيها علم . ذكر من قال ذلك : حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد ، قال : ثني أبي ، عن جدي ، قال : ثنا الحسين ، عن قتادة في قوله : بل ادراك علمهم في الآخرة قال : كان يقرؤها : " بل أدرك علمهم في الآخرة " قال : لم يبلغ لهم فيها علم ، ولا يصل إليها منهم رغبة . وقال آخرون : معنى ذلك : بل أدرك : أم أدرك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " بل أدرك علمهم " قال : أم أدرك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عثمان ، عن مجاهد : " بل أدرك علمهم " قال : أم أدرك علمهم من أين يدرك علمهم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على قراءة من قرأ " بل أدرك " القول الذي ذكرناه عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، وهو أن معناه : إذا قرئ كذلك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بل أدرك علمهم نفس وقت ذلك في الآخرة حين يبعثون ، فلا ينفعهم علمهم به حينئذ ، فأما في الدنيا فإنهم منها في شك ، بل هم منها عمون . وإنما قلت : هذا القول أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على القراءة التي ذكرت ، لأن ذلك أظهر معانيه . وإذ كان ذلك معناه كان في الكلام محذوف قد استغني بدلالة ما ظهر منه عنه . وذلك أن معنى الكلام : وما يشعرون أيان يبعثون ، بل يشعرون ذلك في الآخرة ، فالكلام إذا كان ذلك معناه ، وما يشعرون أيان يبعثون ، بل أدرك علمهم بذلك في الآخرة ، بل هم في الدنيا في شك منها . وأما على قراءة من قرأه بل ادراك بكسر اللام وتشديد الدال ، فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد ، وهو أن يكون معنى بل : أم ، والعرب تضع أم موضع بل ، وموضع بل : أم ، إذا كان في أول الكلام استفهام ، كما قال الشاعر : فوالله ما أدري أسلمى تغولت * أم النوم أم كل إلي حبيب يعني بذلك بل كل إلي حبيب ، فيكون تأويل الكلام : وما يشعرون أيان يبعثون ، بل تدارك علمهم في