محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول : سبحان الملك القدوس ، وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القباء ، والعرش فوق ذلك ، ثم وقف . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا جعفر بن سليمان ، عن هارون بن وثاب ، عن شهر بن حوشب ، قال : حملة العرش ثمانية ، فأربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على حلمك بعد علمك ، وأربعة يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك . حدثنا القاسم قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر بن عبد الله ، قال : إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم ، فوقهم شخصت إليه أبصارهم ، ورجفت كلاهم في أجوافهم ، قال : وطارت قلوبهم من مقرها في صدورهم إلى حناجرهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا يعني يوم القيامة حين تشقق السماء بالغمام ، وتنزل الملائكة تنزيلا . وقوله : وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا يقول : ونزل الملائكة إلى الأرض تنزيلا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ يقول : الملك الحق يومئذ خالص للرحمن دون كل من سواه ، وبطلت الممالك يومئذ سوى ملكه . وقد كان في الدنيا ملوك ، فبطل الملك يومئذ سوى ملك الجبار . وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً يقول : وكان يوم تشقق السماء بالغمام يوما على أهل الكفر بالله عسيرا ، يعني صعبا شديدا . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . . . بَعْدَ إِذْ جاءَنِي يقول تعالى ذكره : ويوم يعض الظالم نفسه المشرك بربه على يديه ندما وأسفا على ما فرط في جنب الله وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه ، يقول : يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلا ، يعني طريقا إلى النجاة من عذاب الله . وقوله يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : الظَّالِمُ وبقوله : فُلاناً فقال بعضهم : عني بالظالم : عقبة بن أبي معيط ، لأنه ارتد بعد إسلامه ، طلبا منه لرضا أبي بن خلف ، وقالوا : فلان هو أربي . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس قال : كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ، فزجره عقبة بن أبي معيط ، فنزل : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا إلى قوله خَذُولًا قال : الظالم : عقبة ، وفلانا خليلا : أبي بن خلف . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الشعبي في قوله : لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا قال : كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف ، فأسلم عقبة ، فقال أمية : وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا ، فكفر ؛ وهو الذي قال : لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة وعثمان الجزري ، عن مقسم في قوله : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا قال : اجتمع عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف ، وكانا خليلين ، فقال أحدهما لصاحبه : بلغني أنك أتيت محمدا فاستمعت منه ، والله لا أرضى عنك حتى تتفل في وجهه وتكذبه ، فلم يسلطه الله على ذلك ، فقتل عقبة يوم بدر صبرا . وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد في القتال ، وهما اللذان أنزل الله فيهما : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله ، وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ إلى قوله : فُلاناً خَلِيلًا قال : هو أبي بن خلف ، كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم ،