محمد بن جرير الطبري
58
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولم يكن أكثر قومك بالذين يصدقونك مما سبق في قضاء الله أنهم لن يؤمنوا . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه ممن كفر به ، وخالف أمره الرَّحِيمُ بالتائب منهم ، أن يعاقبه بعد توبته . القول في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ . . . فَاتَّقُوا اللَّهَ يقول تعالى ذكره : كَذَّبَتْ عادٌ رسل الله إليهم . إِذْ . . . تَتَّقُونَ عقاب الله على كفركم به . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من ربي يأمركم بطاعته ، ويحذركم على كفركم بأسه ، أَمِينٌ على وحيه ورسالته . فَاتَّقُوا اللَّهَ بطاعته والانتهاء إلى ما يأمركم وينهاكم وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته . وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يقول : وما أطلب منكم على أمري إياكم باتقاء الله جزاء ولا ثوابا . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ يقول : ما جزائي وثوابي على نصيحتي إياكم إلا على رب العالمين . القول في تأويل قوله تعالى : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هود لقومه : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ والريع : كل مكان مشرف من الأرض مرتفع ، أو طريق أو واد ؛ ومنه قول ذي الرمة : طراق الخوافي مشرف فوق ريعه * ندى ليلة في ريشه يترقرق وقول الأعشى : ويهماء قفر تجاوزتها * إذا خب في ريعها آلها وفيه لغتان : ريع وريع بكسر الراء وفتحها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ يقول : بكل شرف . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : بِكُلِّ رِيعٍ قال : فج . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، في قوله : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً قال : بكل طريق . حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني ، قال : ثنا أبو قتيبة ، قال : ثنا مسلم بن خالد ، قال : ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ قال : الريع : الثنية الصغيرة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا يحيى بن حسان ، عن مسلم بن خالد ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال عكرمة : بِكُلِّ رِيعٍ قال : فج وواد ، قال : وقال مجاهد بِكُلِّ رِيعٍ بين جبلين . حدثنا القاسم قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ قال : شرف ومنظر . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : بِكُلِّ رِيعٍ قال : بكل طريق . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : بِكُلِّ رِيعٍ بكل طريق . ويعني بقوله آيَةً بنيانا ، علما . وقد بينا في غير موضع من كتابنا هذا ، أن الآية هي الدلالة والعلامة بالشواهد المغنية عن إعادتها في هذا الموضع . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويله . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ،