محمد بن جرير الطبري

56

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يعني بالمجرمين إبليس ، وابن آدم الذي سن القتل . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قوله : وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ قال : إبليس وابن آدم القاتل . وقوله فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ يقول : فليس لنا شافع فيشفع لنا عند الله من الأباعد ، فيعفو عنا ، وينجينا من عقابه . وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ من الأقارب . واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالشافعين ، وبالصديق الحميم ، فقال بعضهم : عني بالشافعين : الملائكة ، وبالصديق الحميم : النسيب . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ قال : من الملائكة وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ قال : من الناس ، قال مجاهد : صديق حميم ، قال : شقيق . وقال آخرون : كل هؤلاء من بني آدم . ذكر من قال ذلك : حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا إسحاق بن سعيد البصري المسمعي ، عن أخيه يحيى بن سعيد المسمعي ، قال : كان قتادة إذا قرأ : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ قال : يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع ، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع . وقوله فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يقول : فلو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنؤمن بالله فنكون بإيماننا به من المؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : إن فيما احتج به إبراهيم على قومه من الحجج التي ذكرنا له لدلالة بينة واضحة لمن اعتبر ، على أن سنة الله في خلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيم من عبادة الأصنام والآلهة ، ويقتدون بهم في ذلك ما سن فيهم في الدار الآخرة ، من كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبليس في الجحيم ، وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين . وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه ، ثم لم يتب من كفره حتى هلك ، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم . القول في تأويل قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ . . . لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ يقول تعالى ذكره : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ رسل الله الذين أرسلهم إليهم لما قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ فتحذروا عقابه على كفركم به ، وتكذيبكم رسله . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ من الله أَمِينٌ على وحيه إلي ، برسالته إياي إليكم . القول في تأويل قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ . . . مِنْ أَجْرٍ يقول تعالى ذكره : فاتقوا عقاب الله أيها القوم على كفركم به ، وأطيعوني في نصيحتي لكم ، وأمري إياكم باتقائه . وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يقول : وما أطلب منكم على نصيحتي لكم وأمري إياكم باتقاء عقاب الله بطاعته فيما أمركم ونهاكم ، من ثواب ولا جزاء إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ دونكم ودون جميع خلق الله ، فَاتَّقُوا عقاب اللَّهَ على كفركم به ، وخافوا حلول سخطه بكم على تكذيبكم رسله ، وَأَطِيعُونِ : يقول : وأطيعوني في نصيحتي لكم ، وأمري إياكم بإخلاص العبادة لخالقكم . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ يقول تعالى ذكره : قال قوم نوح له مجيبيه عن قيله لهم : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قالوا : أنؤمن لك يا نوح ، ونقر بتصديقك فيما تدعونا إليه ، وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات . قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قال نوح لقومه : وما علمي بما كان أتباعي يعملون ، إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه ، ولم أكلف علم باطنهم ، وإنما كلفت الظاهر ، فمن أظهر حسنا ظننت به حسنا ، ومن أظهر سيئا ظننت به شيئا . إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي يقول : إن حساب باطن أمرهم الذي