محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . . . بَنِي إِسْرائِيلَ يقول تعالى ذكره : فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء ، وكنوز ذهب وفضة ، وَمَقامٍ كَرِيمٍ قيل : إن ذلك المقام الكريم : المنابر . وقوله كَذلِكَ يقول : هكذا أخرجناهم من ذلك كما وصفت لكم في هذه الآية والتي قبلها . وَأَوْرَثْناها يقول : وأورثنا تلك الجنات التي أخرجناهم منها والعيون والكنوز والمقام الكريم عنهم بهلاكهم بني إسرائيل . وقوله : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فأتبع فرعون وأصحابه بني إسرائيل ، مشرقين حين أشرقت الشمس ، وقيل حين أصبحوا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثني أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ قال : خرج موسى ليلا ، فكسف القمر وأظلمت الأرض ، وقال أصحابه : إن يوسف أخبرنا أنا سننجى من فرعون ، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا ، فخرج موسى ليلته يسأل عن قبره ، فوجد عجوزا بيتها على قبره ، فأخرجته له بحكمها ، وكان حكمها أو كلمة تشبه هذا ، أن قالت : احملني فأخرجني معك ، فجعل عظام يوسف في كسائه ، ثم حمل العجوز على كسائه ، فجعله على رقبته ، وخيل فرعون هي ملء أعنتها حضرا في أعينهم ، ولا تبرح ، حبست عن موسى وأصحابه حتى تواروا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ قال : فرعون وأصحابه ، وخيل فرعون في مل أعنتها في رأي عيونهم ، ولا تبرح ، حبست عن موسى وأصحابه حتى تواروا . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . . . إِلى مُوسى يقول تعالى ذكره : فلما تناظر الجمعان : جمع موسى وهم بنو إسرائيل ، وجمع فرعون وهم القبط قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ أي إنا لملحقون ، الآن يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا ، وذكر أنهم قالوا ذلك لموسى ، تشاؤما بموسى . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه سليمان ، قال : قلت لعبد الرحمن فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال : تشاءموا بموسى ، وقالوا : أوذينا من قبل أن تأتينا ، ومن بعد ما جئتنا . حدثنا موسى ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد رمقهم قالوا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قالُوا يا موسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا ، وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا ، إنا لمدركون ؛ البحر بين أيدينا ، وفرعون من خلفنا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس ، قال : لما انتهى موسى إلى البحر ، وهاجت الريح العاصف ، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الريح ، وإلى البحر أمامهم قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار سوى الأعرج إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، وقرأه الأعرج : " وإنا لمدركون " كما يقال نزلت ، وأنزلت . والقراءة عندنا التي عليها قراء الأمصار ، لإجماع الحجة من القراء عليها . وقوله : كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ قال موسى لقومه : ليس الأمر كما ذكرتم ، كلا لن تدركوا إن معي ربي سيهدين ، يقول : سيهدين لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه . كما : حدثني ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دهم الخيل ، سوى ما في جنده من شية الخيل ، وخرج موسى حتى إذا قابله