محمد بن جرير الطبري
2
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الجزء التاسع عشر [ بقية تفسير سورة الفرقان ] القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً يقول تعالى ذكره : وقال المشركون الذين لا يخافون لقاءنا ، ولا يخشون عقابنا ، هلا أنزل الله علينا ملائكة ، فتخبرنا أن محمدا محق فيما يقول ، وأن ما جاءنا به صدق ، أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك ، كما قال جل ثناؤه مخبرا عنهم : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ثم قال بعد : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا يقول الله : لقد استكبر قائلوا هذه المقالة في أنفسهم ، وتعظموا ، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً يقول : وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حده . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال كفار قريش : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فيخبرونا أن محمدا رسول الله لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا لأن " عتا " من ذوات الواو ، فأخرج مصدره على الأصل بالواو . وقيل في سورة مريم : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا وإنما قيل ذلك كذلك لموافقة المصادر في هذا الوجه جمع الأسماء كقولهم : قعد قعودا ، وهم قوم قعود ، فلما كان ذلك كذلك ، وكان العاتي يجمع عتيا بناء على الواحد ، جعل مصدره أحيانا موافقا لجمعه ، وأحيانا مردودا إلى أصله . القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً يقول تعالى ذكره : يوم يرى هؤلاء الذين قالوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا بتصديق محمد الملائكة ، فلا بشرى لهم يومئذ بخير . يَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً يعني أن الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا ، حراما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله ؛ ومن الحجر قول المتلمس :