محمد بن جرير الطبري

34

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال : يعبدونك يحسنون عبادتك ، ولا يجرون علينا الجرائر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ قال : يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام . حدثنا محمد بن عون ، قال : ثنا محمد بن إسماعيل بن عياش ، قال : ثني أبي ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه جبير بن نفير ، قال : جلسنا إلى المقداد بن الأسود ، فقال : لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على أشد حالة بعث عليها نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية ، ما يرون دينا أفضل من عبادة الأوثان ، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل ، وفرق بين الوالد وولده ، حتى إن كان الرجل ليرى ولده ووالده وأخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه بالإسلام ، فيعلم أنه إن مات دخل النار ، فلا تقر عينه ، وهو يعلم أن حبيبه في النار ، وإنها للتي قال الله : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ الآية . حدثني ابن عون ، قال : ثني علي بن الحسن العسقلاني ، عن عبد الله بن المبارك ، عن صفوان ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه جبير بن نفير ، عن المقداد ، نحوه . وقيل : هب لنا قرة أعين ، وقد ذكر الأزواج والذريات وهم جمع ، وقوله : قُرَّةَ أَعْيُنٍ واحدة ، لأن قوله : قرة أعين مصدر من قول القائل : قرت عينك قرة ، والمصدر لا تكاد العرب تجمعه . وقوله : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً اختلف أهل التأويل في تأويله ، فقال بعضهم : معناه : اجعلنا أئمة يقتدي بنا من بعدنا . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن عبد الأعلى بن واصل ، قال : ثني عون بن سلام ، قال : أخبرنا بشر بن عمارة عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، في قوله : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يقول : أئمة يقتدى بنا . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أئمة التقوى ولأهله يقتدى بنا . قال ابن زيد : كما قال لإبراهيم : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً وقال آخرون : بل معناه : واجعلنا للمتقين إماما : نأتم بهم ، ويأتم بنا من بعدنا . ذكر من قال ذلك : حدثني ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أئمة نقتدي بمن قبلنا ، ونكون أئمة لمن بعدنا . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً قال : اجعلنا مؤتمين بهم ، مقتدين بهم . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معناه : واجعلنا للمتقين الذين يتقون معاصيك ، ويخافون عقابك إماما يأتمون بنا في الخيرات ، لأنهم إنما سألوا ربهم أن يجعلهم للمتقين أئمة ، ولم يسألوه أن يجعل المتقين لهم إماما ، وقال وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ولم يقل أئمة . وقد قالوا : واجعلنا وهم جماعة ، لأن الإمام مصدر من قول القائل : أم فلان فلانا إماما ، كما يقال : قام فلان قياما ، وصام يوم كذا صياما . ومن جمع الإمام أئمة ، جعل الإمام اسما ، كما يقال : أصحاب محمد إمام ، وأئمة للناس . فمن وحد قال : يأتم بهم الناس . وهذا القول الذي قلناه في ذلك قول بعض نحويي أهل الكوفة . وقال بعض أهل البصرة من أهل العربية : الإمام في قوله : لِلْمُتَّقِينَ إِماماً جماعة ، كما تقول : كلهم عدول . قال : ويكون على الحكاية ، كما يقول القائل إذا قيل له : من أميركم : هؤلاء أميرنا . واستشهد لذلك بقول الشاعر : يا عاذلاتي لا تردن ملامتي * إن العواذل لسن لي بأمير