محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

غَفُوراً رَحِيماً يقول تعالى ذكره : وكان الله ذا عفو عن ذنوب من تاب من عباده ، وراجع طاعته ، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها . قوله : وَمَنْ تابَ يقول : ومن تاب من المشركين ، فآمن بالله ورسوله وَعَمِلَ صالِحاً يقول : وعمل بما أمره الله فأطاعه ، فإن الله فاعل به من إبداله سيئ أعماله في الشرك ، بحسنها في الإسلام ، مثل الذي فعل من ذلك ، بمن تاب وآمن وعمل صالحا قبل نزول هذه الآية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً قال : هذا للمشركين الذين قالوا لما أنزلت وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما كان هؤلاء إلا معنا ، قال : وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فإن لهم مثل ما لهؤلاء فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً لم تخطر التوبة عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه ، فقال بعضهم : معناه الشرك بالله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا سفيان ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال : الشرك . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال : هؤلاء المهاجرون ، قال : والزور قولهم لآلهتهم ، وتعظيمهم إياها . وقال آخرون : بل عني به الغناء . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن عبد الأعلى المحاربي قال : ثنا محمد بن مروان ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال : لا يسمعون الغناء . وقال آخرون : هو قول الكذب . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال : الكذب . قال أبو جعفر : وأصل الزور تحسين الشيء ، ووصفه بخلاف صفته ، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه ، أنه خلاف ما هو به ، والشرك قد يدخل في ذلك ، لأنه محسن لأهله ، حتى قد طنوا أنه حق ، وهو باطل ، ويدخل فيه الغناء ، لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت ، حتى يستحلي سامعه سماعه ، والكذب أيضا قد يدخل فيه ، لتحسين صاحبه إياه ، حتى يظن صاحبه أنه حق ، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور . فإذا كان ذلك كذلك ، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال : والذين لا يشهدون شيئا من الباطل ، لا شركا ، ولا غناء ، ولا كذبا ولا غيره ، وكل ما لزمه اسم الزور ، لأن الله عم في وصفه إياهم ، أنهم لا يشهدون الزور ، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها ، من خبر أو عقل . وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً اختلف أهل التأويل في معنى اللغو الذي ذكر في هذا الموضع ، فقال بعضهم : معناه : ما كان المشركون يقولونه للمؤمنين ، ويكلمونهم به من الأذى . ومرورهم به كراما : إعراضهم عنهم وصفحهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً قال : صفحوا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً قال : إذا أو ذوا مروا كراما ، قال : صفحوا . وقال آخرون : بل معناه : وإذا مروا بذكر النكاح ، كفوا عنه اللغو . ذكر من قال ذلك : حدثنا