محمد بن جرير الطبري
26
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَكانَ اللَّهُ . . . يقول تعالى ذكره : والذين لا يعبدون مع الله إلها آخر ، فيشركون في عبادتهم إياه ، ولكنهم يخلصون له العبادة ويفردونه بالطاعة وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ إما بكفر بالله بعد إسلامها ، أو زنا بعد إحصانها ، أو قتل نفس ، فتقتل بها وَلا يَزْنُونَ فيأتون ما حرم الله عليهم إتيانه من الفروج وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يقول : ومن يأت هذه الأفعال ، فدعا مع الله إلها آخر ، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق ، وزنى يَلْقَ أَثاماً يقول : يلق من عقاب الله عقوبة ونكالا ، كما وصفه ربنا جل ثناؤه ، وهو أنه يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً . ومن الأثام قول بلعاء بن قيس الكناني : جزى الله ابن عروة حيث أمسى * عقوقا والعقوق له أثام يعني بالأثام : العقاب . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل قوم من المشركين أرادوا الدخول في الإسلام ، ممن كان منه في شركه هذه الذنوب ، فخافوا أن لا ينفعهم مع ما سلف منهم من ذلك إسلام ، فاستفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية ، يعلمهم أن الله قابل توبة من تاب منهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : ثني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا ، فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إن الذي تدعونا إليه لحسن ، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلت : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلا يَزْنُونَ ونزلت : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . قال ابن جريج : وقال مجاهد مثل قول ابن عباس سواء . حدثنا عبد الله بن محمد الفريابي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي معاوية ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن عبد الله ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم : ما الكبائر ؟ قال : " أن تدعو لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك ، وأن تزني بحليلة جارك " ، وقرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتاب الله : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا سفيان عن الأعمش ومنصور ، عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ، قلت : ثم أي ؟ قال : " أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك " ، قلت : ثم أي ؟ قال : " ثم أن تزاني حليلة جارك " ، فأنزل تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلا يَزْنُونَ الآية . حدثنا سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا علي بن قادم ، قال : ثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن منصور ، عن أبي وائل ، عن أبي ميسرة ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي ، قال : ثني عمي يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن سفيان ، عن عبد الله قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أي الذنب أكبر ؟ ثم ذكر نحوه . حدثني أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : ثنا عامر بن مدرك ، قال : ثنا السري ، يعني ابن إسماعيل قال : ثنا الشعبي ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فاتبعته ، فجلس على نشز من الأرض ، وقعدت أسفل منه ، ووجهي حيال ركبتيه ، فاغتنمت