محمد بن جرير الطبري

20

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والبصرة : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً على التوحيد ، ووجهوا تأويل ذلك إلى أنه جعل فيها الشمس ، وهي السراج التي عني عندهم بقوله : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً . كما : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً قال : السراج : الشمس . وقرأته عامة قراء الكوفيين : " وجعل فيها سرجا " على الجماع ، كأنهم وجهوا تأويله : وجعل فيها نجوما وَقَمَراً مُنِيراً وجعلوا النجوم سرجا إذ كان يهتدي بها . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار ، لكل واحدة منهما وجه مفهوم ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَقَمَراً مُنِيراً يعني بالمنير : المضيء . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً فقال بعضهم : معناه : أن الله جعل كل واحد منهما خلفا من الآخر ، في أن ما فات في أحدهما من عمل يعمل فيه لله ، أدرك قضاؤه في الآخر . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن حفص بن حميد ، عن شمر بن عطية ، عن شقيق قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : فاتتني الصلاة الليلة ، فقال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك ، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ، أو أراد شكورا . حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً يقول : من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار ، أو من النهار أدركه بالليل . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله : جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً قال : جعل أحدهما خلفا للآخر ، إن فات رجلا من النهار شيء أدركه من الليل ، وإن فاته من الليل أدركه من النهار . وقال آخرون : بل معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفا صاحبه ، فجعل هذا أسود وهذا أبيض . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً قال : أسود وأبيض . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، قال : ثنا سفيان ، عن عمر بن قيس بن أبي مسلم الماصر ، عن مجاهد : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً قال : أسود وأبيض . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن كل واحد منهما يخلف صاحبه ، إذا ذهب هذا جاء هذا ، وإذا جاء هذا ذهب هذا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا قيس ، عن عمر بن قيس الماصر ، عن مجاهد ، قوله : جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً هذا يخلف هذا ، وهذا يخلف هذا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً قال : لو لم يجعلهما خلفة لم يدر كيف يعمل ، لو كان الدهر ليلا كله كيف يدري أحد كيف يصوم ، أو كان الدهر نهارا كله كيف يدري أحد كيف يصلي . قال : والخلفة : مختلفان ، يذهب هذا ويأتي هذا ، جعلهما الله خلفة للعباد ، وقرأ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً والخلفة : مصدر ، فلذلك وحدت ، وهي خبر عن الليل والنهار ؛ والعرب تقول : خلف هذا من كذا خلفة ، وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله ، كما قال الشاعر : ولها بالماطرون إذا * أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتبعت * سكنت من جلق بيعا