محمد بن جرير الطبري
18
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً قال : معينا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال ابن جريج : أبو جهل معينا ظاهر الشيطان على ربه . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن ، في قوله : وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً قال : عونا للشيطان على ربه على المعاصي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً قال : على ربه عوينا . والظهير : العوين . وقرأ قول الله : فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ قال : لا تكونن لهم عوينا . وقرأ أيضا قول الله : وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ قال : ظاهروهم : أعانوهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً يعني : أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبا جهل بن هشام . وقد كان بعضهم يوجه معنى قوله وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً أي وكان الكافر على ربه هينا من قول العرب : ظهرت به ، فلم ألتفت إليه ، إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه ، وكأن الظهير كان عنده فعيل صرف من مفعول إليه من مظهور به ، كأنه قيل : وكان الكافر مظهورا به . والقول الذي قلناه هو وجه الكلام ، والمعنى الصحيح ، لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه ، فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمه إياهم ، وذم فعلهم دون الخبر عن هوانهم على ربهم ، ولما يجر لاستكبارهم عليه ذكر ، فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً . . . مِنْ أَجْرٍ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إلى من أرسلناك إليه إِلَّا مُبَشِّراً بالثواب الجزيل ، من آمن بك وصدقك ، وآمن بالذي جئتهم به من عندي ، وعملوا به وَنَذِيراً من كذبك وكذب ما جئتهم به من عندي ، فلم يصدقوا به ، ولم يعملوا . قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يقول له : قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم ، ما أسألكم يا قوم على ما جئتكم به من عند ربي أجرا ، فتقولون : إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه ، فلا نتبعه فيه ، ولا نعطيه من أموالنا شيئا . إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يقول : لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلا ، طريقا بإنفاقه من ماله في سبيله ، وفيما يقربه إليه من الصدقة والنفقة في جهاد عدوه ، وغير ذلك من سبل الخير . القول في تأويل قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ . . . بِذُنُوبِ يقول تعالى ذكره : وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها . فثق به في أمر ربك ، وفوض إليه ، واستسلم له ، واصبر على ما نابك فيه . قوله : وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ يقول : واعبده شكرا منك له على ما أنعم به عليك . قوله : وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً يقول : وحسبك بالحي الذي لا يموت خابرا بذنوب خلقه ، فإنه لا يخفى عليه شيء منها ، وهو محص جميعها عليهم حتى يجازيهم بها يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يقول تعالى ذكره : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فقال : وَما بَيْنَهُما وقد ذكر السماوات والأرض ، والسماوات جماع ، لأنه وجه ذلك إلى الصنفين والشيئين ، كما قال القطامي : ألم يحزنك أن حبال قيس * وتغلب قد تباينتا انقطاعا يريد : وحبال تغلب فثنى ، والحبال جمع ، لأنه أراد الشيئين والنوعين . وقوله : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ قيل : كان ابتداء