محمد بن جرير الطبري

49

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة على وجه الخبر : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ وكذلك قوله : قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ . ووجه هؤلاء تأويل الكلام إلى أن الله قال لهؤلاء الأشقياء من أهل النار وهم في النار : كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ وأنهم أجابوا الله فقالوا : لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، فنسي الأشقياء ، لعظيم ما هم فيه من البلاء والعذاب ، مدة مكثهم التي كانت في الدنيا ، وقصر عندهم أمد مكثهم الذي كان فيها ، لماحل بهم من نقمة الله ، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثوا فيها إلا يوما أو بعض يوم ، ولعل بعضهم كان قد مكث فيها الزمان الطويل والسنين الكثيرة . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة على وجه الأمر لهم بالقول ، كأنه قال لهم ؛ قولوا كم لبثتم في الأرض ؟ وأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمعني به الجماعة ، إذ كان مفهوما معناه . وإنما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة لأن ذلك في مصاحفهم : " قل " بغير ألف ، وفي غير مصاحفهم بالألف . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ذلك : قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ على وجه الخبر ، لأن وجه الكلام لو كان ذلك أمرا ، أن يكون " قولوا " على وجه الخطاب للجمع ؛ لأن الخطاب فيما قبل ذلك وبعده جرى لجماعة أهل النار ، فالذي هو أولى أن يكون كذلك قوله : " وقولوا " ؛ لو كان الكلام جاء على وجه الأمر ، وإن كان الآخر جائزا ، أعني التوحيد ، لما بينت من العلة لقارئ ذلك كذلك ، وجاء الكلام بالتوحيد في قراءة جميع القراء ، كان معلوما أن قراءة ذلك على وجه الخبر عن الواحد أشبه ، إذ كان ذلك هو الفصيح المعروف من كلام العرب . فإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الكلام : قال الله كم لبثتم في الدنيا من عدد سنين ؟ قالوا مجيبين له : لبثنا فيها يوما أو بعض يوم فاسأل العادين ، لأنا لا ندري ، قد نسينا ذلك . واختلف أهل التأويل في المعني بالعادين ، فقال بعضهم : هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَسْئَلِ الْعادِّينَ قال : الملائكة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : بل هم الحساب . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : فَسْئَلِ الْعادِّينَ قال : فاسأل الحساب . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : فَسْئَلِ الْعادِّينَ قال : فاسأل أهل الحساب . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله جل ثناؤه : فَسْئَلِ الْعادِّينَ وهم الذين يعدون عدد الشهور والسنين وغير ذلك . وجائز أن يكونوا الملائكة ، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم ، ولا حجة بأي ذلك من أي ثبتت صحتها ؛ فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادين دون بعض . . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . . . إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ