محمد بن جرير الطبري
43
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن سدوس صاحب السائري ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، نادى مناد من أهل العرش : يا أهل التظالم تداركوا مظالمكم وادخلوا الجنة " . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ . . . وَمَنْ خَفَّتْ . . . كالِحُونَ يقول تعالى ذكره : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ موازين حسناته وخفت موازين سيئاته . فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني الخالدون في جنات النعيم . وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ يقول : ومن خفت موازين حسناته ، فرجحت بها موازين سيئاته . فَأُولئِكَ . . . أَنْفُسَهُمْ يقول : غيتوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله . فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ يقول : هم في نار جهنم . وقوله : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ يقول : تسفع وجوههم النار . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ قال : تنفح . وَهُمْ فِيها كالِحُونَ والكلوح : أن تتقلص الشفتان عن الأسنان حتى تبدو الأسنان ، كما قال الأعشى : وله المقدم لا مثل له * ساعة الشدق عن الناب كلح فتأويل الكلام : يسفع وجوههم لهب النار فتحرقها ، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان من إحراق النار وجوههم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثني عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : وَهُمْ فِيها كالِحُونَ يقول : عابسون . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى وعبد الرحمن ، قالا : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص عن عبد الله ، في قوله : وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال : ألم تر إلى الرأس المشيط قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه ؟ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص عن عبد الله ، قرأ هذه الآية : تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ الآية ، قال : ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه ؟ . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال : ألم تر إلى الغنم إذا مست النار وجوهها كيف هي ؟ . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ . . . وَكُنَّا قَوْماً يقول تعالى ذكره : يقال لهم : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا ، فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ . وترك ذكر " يقال " لدلالة الكلام عليه . قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا بكسر الشين ، وبغير ألف . وقرأته عامة قراء أهل الكوفة : " شقاوتنا " بفتح الشين والألف . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ، وقرأ بكل