محمد بن جرير الطبري
38
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما : حدثني به علي ، قال : ثنا عبد الله قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ يقول : تكذبون . وقد بينت فيما مضى السحر : أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته ، فذلك معنى قوله : فَأَنَّى تُسْحَرُونَ إنما معناه : فمن أي وجه يخيل إليكم الكذب حقا والفاسد صحيحا ، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ . . . مِنْ وَلَدٍ . . . عَمَّا يَصِفُونَ يقول : ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله من أن الملائكة بنات الله وأن الآلهة والأصنام آلهة دون الله . بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ اليقين ، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وذلك الإسلام ، ولا يعبد شيء سوى الله لأنه لا إله غيره . إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ يقول : وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله وينحلونه من الولد والشريك . وقوله : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ يقول تعالى ذكره : ما لله من ولد ، ولا كان معه في القديم ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته ، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ يقول : إذا لاعتزل كل إله منهم بِما خَلَقَ من شيء ، فانفرد به ، ولتغالبوا ، فلعلا بعضهم على بعض ، وغلب القوي منهم الضعيف ؛ لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف ، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها . فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر وقوله : إِذاً لَذَهَبَ جواب لمحذوف ، وهو : لو كان معه إله إذن لذهب كل إله بما خلق ؛ اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه . وقوله : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ يقول تعالى ذكره : تنزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا ، وعما قالوه من أن له شريكا ، أو أن معه في القدم إلها يعبد ، تبارك وتعالى وقوله : عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يقول تعالى ذكره : هو عالم ما غاب عن خلقه من الأشياء ، فلم يروه ولم يشاهدوه ، وما رأوه وشاهدوه . إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين : اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة ، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون ، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن غير علم ، بل عن جهل منهم به ؛ وإن العالم بقديم الأمور وبحديثها وشاهدها وغائبها عنهم ، الله الذي لا يخفى عليه شيء ، فخبره هو الحق دون خبرهم . وقال : عالِمِ الْغَيْبِ فرفع على الابتداء ، بمعنى : هو عالم الغيب ، ولذلك دخلت الفاء في قوله : فَتَعالى كما يقال : مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه ، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء ، لأن معنى الكلام إذا كان كذلك : مررت بأخيك هو المحسن ، فأحسنت إليه . ولو جعل الكلام بالواو فقيل : وأحسنت إليه ، لم يكن وجه الكلام في " المحسن " إلا الخفض على النعت للأخ ، ولذلك لو جاء " فتعالى " بالواو كان وجه الكلام في عالم الغيب الخفض على الاتباع لإعراب اسم الله ، وكان يكون معنى الكلام :