محمد بن جرير الطبري

6

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الآيات ، وَمَنْ نَشاءُ وهم أتباعها الذين صدقوها وآمنوا بها . وقوله : وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ يقول تعالى ذكره : وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم بكفرهم بربهم ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ والمسرفون : هم المشركون . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه ، لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم ، فيه حديثكم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قوله : فِيهِ ذِكْرُكُمْ قال : حديثكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ قال : حديثكم : أَ فَلا تَعْقِلُونَ قال : في " قد أفلح " بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا سفيان : نزل القرآن بمكارم الأخلاق ، ألم تسمعه يقول : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ وقال آخرون : بل عني بالذكر في هذا الموضع : الشرف ، وقالوا : معنى الكلام : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه شرفكم . قال أبو جعفر : وهذا القول الثاني أشبه بمعنى الكلمة ، وهو نحو مما قال سفيان الذي حكينا عنه ، وذلك أنه شرف لمن اتبعه وعمل بما فيه . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً يقول تعالى ذكره : وكثيرا قصمنا من قرية . والقصم : أصله العسر ، يقال منه : قصمت ظهر فلان إذا كسرته ، وانقصمت سنه : إذا انكسرت . وهو هاهنا معني به " أهلكنا " ، وكذلك تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَكَمْ قَصَمْنا قال : أهلكنا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ قال : أهلكناها . قال ابن جريج : قصمنا من قرية ، قال : باليمن ، قصمنا ، بالسيف أهلوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قول الله قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ قال : قصمها أهلها . وقوله : مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أجرى الكلام على القرية ، والمراد بها أهلها لمعرفة السامعين بمعناه . وكأن ظلمها كفرها بالله وتكذيبها رسله . وقوله : وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ يقول تعالى ذكره : وأحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلمة من أهل هذه القرية التي قصمناها بظلمها قوما آخرين سواهم . وقوله : فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا يقول : فلما عاينوا عذابنا قد حل بهم ورأوه قد وجدوا مسه ، يقال منه : قد أحسست من فلان ضعفا ، وأحسته منه . إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ يقول : إذا هم مما أحسوا بأسنا النازل بهم يهربون سراعا عجلى يعدون منهزمين ، يقال منه : ركض فلان فرسه : إذا كده بسياقته . القول في تأويل قوله تعالى : لا تَرْكُضُوا