محمد بن جرير الطبري

52

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أصابه جزعه على أهله وولده ، وأخذ ترابا فوضعه على رأسه ، ثم قال : ليت أمي لم تلدني ولم أك شيئا وسر بها عدو الله منه ؛ فأصعد إلى السماء جذلا . وراجع أيوب التوبة ما قال ، فحمد الله ، فسبقت توبته عدو الله إلى الله ؛ فلما جاء وذكر ما صنع ، قيل له قد سبقتك توبته إلى الله ومراجعته . قال : أي رب فسلطني على جسده قال : قد سلطتك على جسده إلا على لسانه وقلبه ونفسه وسمعه وبصره . فأقبل إليه عدو الله وهو ساجد ، فنفخ في جسده نفخة أشعل ما بين قرنه إلى قدمه كحريق النار ، ثم خرج في جسده ثآليل كأليات الغنم ، فحك بأظفاره حتى ذهبت ، ثم بالفخار والحجارة حتى تساقط لحمه ، فلم يبق منه إلا العروق والعصب والعظام ، عيناه تجولان في رأسه للنظر وقلبه للعقل ، ولم يخلص إلى شيء من حشو البطن ، لأنه لا بقاء للنفس إلا بها ، فهو يأكل ويشرب على التواء من حشوته ، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث فحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن ابن دينار ، عن الحسن أنه كان يقول : مكث أيوب في ذلك البلاء سبع سنين وستة أشهر ملقى على رماد مكنسة في جانب القرية قال وهب بن منبه : ولم يبق من أهله إلا امرأة واحدة تقوم عليه وتكسب له ، ولا يقرر عدو الله منه على قليل ولا كثير مما يريد . فلما طال البلاء عليه وعليها وسئمها الناس ، وكانت تكسب عليه ما تطعمه وتسقيه ؛ قال وهب بن منبه : فحدثت أنها التمست له يوما من الأيام تطعمه ، فما وجدت شيئا حتى جزت قرنا من رأسها فباعته برغيف ، فأتته به فعشته إياه ، فلبث في ذلك البلاء تلك السنين ، حتى إن كان المار ليمر فيقول : لو كان لهذا عند الله خير لأراحه مما هو فيه حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمه ، قال : فحدثني محمد بن إسحاق ، قال : وكان وهب بن منبه يقول : لبث في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا ؛ فلما غلبه أيوب فلم يستطع منه شيئا ، اعترض لامرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والطول على مركب ليس من مراكب الناس ، له عظم وبهاء وجمال ليس لها ، فقال لها : أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلي ؟ قالت نعم . قال : هل تعرفينني ؟ قالت لا . قال : فأنا إله الأرض وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت ، وذلك أنه عبد إله السماء وتركني فأغضبني ، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد ، فإنه عندي ثم أراها إياهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه . قال : وقد سمعت أنه إنما قال : لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم عليه لعوفي مما به من البلاء ، والله أعلم . وأراد عدو الله أن يأتيه من قبلها . فرجعت إلى أيوب ، فأخبرته بما قال لها وما أراها ؛ قال : أو قد آتاك عدو الله ليفتنك عن دينك ؟ ثم أقسم إن الله عافاه ليضربها مئة ضربة فلما طال عليه البلاء ، جاءه أولئك النفر الذين كانوا معه قد آمنوا به وصدقوه ، معهم فتى حديث السن قد كان آمن به وصدقه ، فجلسوا إلى أيوب ونظروا إلى ما به من البلاء ، فأعظموا ذلك وفظعوا به ، وبلغ من أيوب صلوات الله عليه مجهوده ، وذلك حين أراد الله أن يفرج عنه ما به ؛ فلما رأى أيوب ما أعظموا ما أصابه ، قال : أي رب لأي شيء خلقتني ولو كنت إذ قضيت علي البلاء تركتني فلم تخلقني ؟ ليتني كنت دما ألقتني أمي . ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر ،