محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلطين ؟ أمن حكمتك تفرعت أفراخ الطير وأولاد الدواب لأمهاتها ؟ أم من حكمتك عطفت أمهاتها عليها ، حتى أخرجت لها الطعام من بطونها ، وآثرتها بالعيش على نفوسها ؟ أم من حكمتك يبصر العقاب ، فأصبح في أماكن القتلى ؟ أين أنت مني يوم خلقت بهموت ، مكانه في منقطع التراب ، والوتينان يحملان الجبال والقرى والعمران ، آذانهما كأنها شجر الصنوبر الطوال ، رؤسهما كأنها آكام الحبال ، وعروق أفخاذهما كأنها أوتاد الحديد ، وكأن جلودهما فلق الصخور ، وعظامهما كأنها عمد النحاس . هما رأسا خلقي الذين خلقت للقتال ، أأنت ملأت جلودهما لحما ؟ أم أنت ملأت رؤسهما دماغا ؟ أم هل لك في خلقهما من شرك ؟ أم لك بالقوة التي عملتهما يدان ؟ أو هل يبلغ من قوتك أن تخطم على أنوفهما ، أو تضع يدك على رؤسهما ، أو تقعد لهما على طريق فتحبسهما ، أو تصدهما عن قوتهما ؟ أين أنت يوم خلقت التنين ورزقه في البحر ومسكنه في السحاب ؟ عيناه توقدان نارا ، ومنخراه يثوران دخانا ، أذناه مثل قوس السحاب ، يثور منهما لهب كأنه إعصار العجاج ، جوفه يحترق ونفسه يلتهب ، وزبده كأمثال الصخور ، وكأن صريف أسنانه صوت الصواعق ، وكأن نظر عينيه لهب البرق ، أسراره لا تدخله الهموم ، تمر به الجيوش وهو متكئ ، لا يفزعه شيء ؛ ليس فيه مفصل الحديد عنده مثل التبن ، والنحاس عنده مثل الخيوط ، لا يفزع من النشاب ، ولا يحس وقع الصخور على جسده ، ويضحك من النيازك ، ويسير في الهواء كأنه عصفور ، ويهلك كل شيء يمر به ملك الوحوش ، وإياه آثرت بالقوة على خلقي ؛ هل أنت آخذه بأحبولتك فرابطه بلسانه أو واضع اللجام في شدقه ؟ أتظنه يوفي بعهدك أو يسبح من خوفك ؟ هل تحصي عمره أم هل تدري أجله أو تفوت رزقه ؟ أم هل تدري ماذا خرب من الأرض ، أم ماذا يخرب فيما بقي من عمره ؟ أتطيق غضبه حين يغضب أم تأمره فيطيعك ؟ تبارك الله وتعالى قال أيوب صلى الله عليه وسلم : قصرت عن هذا الأمر الذي تعرض لي ؛ ليت الأرض انشقت بي فذهبت في بلائي ولم أتكلم بشيء يسخط ربي اجتمع علي البلاء إلهي جعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي ، وقد علمت أن الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك ، وأعظم من هذا ما شئت عملت ؛ لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة ، من هذا الذي يظن أن يسر عنك سرا ، وأنت تعلم ما يخطر على القلوب ؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم ، وخفت حين بلوت أمرك أكثر مما كنت أخاف . إنما كنت أسمع بسطوتك سمعا ، فأما الآن فهو بصر العين . إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني وسكت حين سكت لترحمني ، كلمة زلت فلن أعود . قد وضعت يدي على فمي ، وعضضت على لساني ، وألصقت بالتراب خدي ، ودست وجهي لصغاري ، وسكت كما أسكتني خطيئتي ، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني قال الله تبارك وتعالى : يا أيوب نفذ فيك علمي ، وبحلمي صرفت عنك غضبي ، إذ خطئت فقد غفرت لك ، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ، فاغتسل بهذا الماء ، فإن فيه شفاءك ، وقرب عن صحابتك قربانا ، واستغفر لهم ، فإنهم قد عصوني فيك حدثنا ابن حميد ،