محمد بن جرير الطبري

42

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قيل : إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه قال : كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير ، وقام له الجن والإنس حتى يجلس إلى سريره . وكان امرأ غزاء ، قلما يقعد عن الغزو ، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله . وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو ، أمر بعسكره فضرب له بخشب ، ثم نصب له على الخشب ، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها ، حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح ، فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته ، حتى إذا استقلت أمر الرخاء ، فمدته شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد ، يقول الله عز وجل : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ قال : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ قال : فذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان ، إما من الجن وإما من الإنس . نحن نزلناه وما بنيناه ، ومبنيا وجدناه ، غدونا من إصطخر فقلناه ، ونحن راحلون منه إن شاء الله قائلون الشام . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً إلى قوله : وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ قال : ورث الله سليمان داود ، فورثه نبوته وملكه وزاده على ذلك أن سخر له الريح والشياطين . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ قال : عاصفة شديدة تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها قال : الشام . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ فقرأته عامة قراء الأمصار بالنصب على المعنى الذي ذكرناه . وقرأ ذلك عبد الرحمن الأعرج : " الريح " رفعا باللام في سليمان على ابتداء الخبر عن أن لسليمان الريح . قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ يقول : وكنا عالمين بأن فعلنا ما فعلنا لسليمان من تسخيرنا له وإعطائنا ما أعطيناه من الملك وصلاح الخلق ، فعلى علم منا بموضع ما فعلنا به من ذلك فعلنا ، ونحن عالمون بكل شيء لا يخفى علينا منه شيء . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ يقول تعالى ذكره : وسخرنا أيضا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر ، ويعملون عملا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب . كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ يقول : وكنا لأعمالهم ولأعدادهم حافظين ، لا يئودنا حفظ ذلك كله . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . . . وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر أيوب يا محمد ، إذ نادى ربه وقد مسه الضر والبلاء . رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فاستجبنا لأيوب دعاءه إذ نادانا ، فكشفنا ما كان به من ضر وبلاء وجهد . وكان الضر الذي أصابه والبلاء الذي نزل به ، امتحانا من الله له واختبارا . وكان سبب ذلك كما : حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل ، قال : سمعت وهب بن منبه يقول :