محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بالسيوف ، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به ، ويحذروا منا أن ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف ؟ وقد تقدم ذكر القائلين بقولنا هذا ومخالفيه بالروايات عنهم في سورة الرعد بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله : أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ يقول تبارك وتعالى : أفهؤلاء المشركون المستعجلو محمد بالعذاب الغالبونا ، وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرضين ؟ ليس ذلك كذلك ، بل نحن الغالبون . وإنما هذا تقريع من الله تعالى لهؤلاء المشركين به بجهلهم ، يقول : أفيظنون أنهم يغلبون محمدا ويقهرونه ، وقد قهر من ناوأه من أهل أطراف الأرض غيرهم ؟ كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ يقول : ليسوا بغالبين ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء القائلين فليأتنا بآية كما أرسل الأولون : إنما أنذركم أيها القوم بتنزيل الله الذي يوحيه إلى من عنده ، وأخوفكم به بأسه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ أي بهذا القرآن . وقوله : وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الأمصار : وَلا يَسْمَعُ بفتح الياء من " يسمع " بمعنى أنه فعل للصم ، و " الصم " حينئذ مرفوعون . وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ : " ولا تسمع " بالتاء وضمها ، فالصم على هذه القراءة مرفوعة ، لأن قوله : " ولا تسمع " لم يسم فاعله ، ومعناه على هذه القراءة : ولا يسمع الله الصم الدعاء . قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه . ومعنى ذلك : ولا يصغي الكافر بالله بسمع قلبه إلى تذكر ما في وحي الله من المواعظ والذكر ، فيتذكر به ويعتبر ، فينزجر عما هو عليه مقيم من ضلاله إذا تلي عليه وأريد به ؛ ولكنه يعرض عن الاعتبار به والتفكر فيه ، فعل الأصم الذي لا يسمع ما يقال له فيعمل به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ يقول : إن الكافر قد صم عن كتاب الله لا يسمعه ، ولا ينتفع به ولا يعقله ، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ يقول تعالى ذكره : ولئن مست هؤلاء المستعجلين بالعذاب يا محمد نفحة من عذاب ربك ، يعني بالنفحة النصيب والحظ ، من قولهم : نفح فلان لفلان من عطائه : إذا أعطاه قسما أو نصيبا من المال . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ الآية ، يقول : لئن أصابتهم عقوبة . وقوله : لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ يقول : لئن أصابتهم هذه النفحة من عقوبة ربك يا محمد بتكذيبهم بك وكفرهم ، ليعلمن حينئذ غب تكذيبهم بك ، وليعترفن على أنفسهم بنعمة الله وإحسانه إليهم وكفرانهم أياديه عندهم ، وليقولن يا ويلنا إنا كان ظالمين في عبادتنا الآلهة والأنداد ، وتركنا عبادة الله الذي خلقنا وأنعم علينا ، ووضعنا العبادة