محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في تأويل قوله تعالى : بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً يقول تعالى ذكره : لا تأتي هذه النار التي تلفح وجوه هؤلاء الكفار الذين وصف أمرهم في هذه السورة حين تأتيهم عن علم منهم بوقتها ، ولكنها تأتيهم مفاجأة لا يشعرون بمجيئها . فَتَبْهَتُهُمْ يقول : فتغشاهم فجأة ، وتلفح وجوههم معاينة كالرجل يبهت الرجل في وجهه بالشيء ، حتى يبقى المبهوت كالحيران منه . فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها يقول : فلا يطيقون حين تبغتهم فتبهتهم دفعها عن أنفسهم . وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يقول : ولا هم وإن لم يطيقوا دفعها عن أنفسهم يؤخرون بالعذاب بها لتوبة يحدثونها وإنابة ينيبون ، لأنها ليست حين عمل وساعة توبة وإنابة ، بل هي ساعة مجازاة وإثابة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن يتخذك يا محمد هؤلاء القائلون لك : هل هذا إلا بشر مثلكم ، أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ، إذ رأوك هزوا ويقولون هذا الذي يذكر آلهتكم كفرا منهم بالله ، واجتراء عليه . فلقد استهزئ برسل من رسلنا الذين أرسلناهم من قبلك إلى أممهم ، يقول : فوجب ونزل بالذين استهزءوا بهم ، وسخروا منهم من أممهم . ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول جل ثناؤه : حل بهم الذي كانوا به يستهزءون من البلاء والعذاب الذي كانت رسلهم تخوفهم نزوله بهم ، يستهزءون : يقول جل ثناؤه ، فلن يعدو هؤلاء المستهزءون بك من هؤلاء الكفرة أن يكونوا كأسلافهم من الأمم المكذبة رسلها ، فينزل بهم من عذاب الله وسخطه باستهزائهم بك نظير الذي نزل بهم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد بهؤلاء المستعجليك بالعذاب ، القائلين : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أيها القوم ، يقول : من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم ، وبالنهار إذا تصرفتم من الرحمن ؟ يقول : من أمر الرحمن إن نزل بكم ، ومن عذابه إن حل بكم . وترك ذكر " الأمر " وقيل " من الرحمن " اجتزاء بمعرفة السامعين لمعناه من ذكره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس ، في قوله : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ قال : يحرسكم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن . يقال منه : كلأت القوم : إذا حرستهم ، أكلؤهم ؛ كما قال ابن هرمة : إن سليمى والله الله يكلؤها * ضنت بشيء ما كان يرزؤها قوله : بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ وقوله بل : تحقيق لجحد قد عرفه المخاطبون بهذا الكلام ، وإن لم يكن مذكورا في هذا الموضع ظاهرا . ومعنى الكلام : وما لهم أن لا يعلموا أنه لا كالئ لهم من أمر الله إذا هو حل بهم ليلا أو نهارا ، بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه التي احتج بها عليهم معرضون