محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : جَبَّاراً عَصِيًّا قال : كان ابن المسيب يذكر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من أحد يلقى الله يوم القيامة ، إلا ذا ذنب ، إلا يحيى بن زكريا " . قال : وقال قتادة : ما أذنب ، ولا هم بامرأة . وقوله : وَيَوْمَ يَمُوتُ يقول : وأمان من الله تعالى ذكره له من فتاني القبر ، ومن هول المطلع وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا يقول : وأمان له من عذاب الله يوم القيامة ، يوم الفزع الأكبر ، من أن يروعه شيء ، أو أن يفزعه ما يفزع الخلق . وقد ذكر ابن عيينة في ذلك ما : حدثني أحمد بن منصور الفيروزي ، قال : أخبرني صدقة بن الفضل قال : سمعت ابن عطية يقول : أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم ، قال : فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا ، فخصه بالسلام عليه ، فقال سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، أن الحسن قال : إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى : استغفر لي ، أنت خير مني ، فقال له الآخر : استغفر لي ، أنت خير مني ، فقال له عيسى : أنت خير مني ، سلمت على نفسي ، وسلم الله عليك ، فعرف والله فضلها . القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحق مريم ابنة عمران ، حين اعتزلت من أهلها ، وانفردت عنهم ، وهو افتعل من النبذ ، والنبذ : الطرح ، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ أي انفردت من أهلها . حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه أبو قابوس ، عن ابن عباس إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا قال : خرجت مكانا شرقيا . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ، وهو قوله : إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا : في شرقي المحراب . وقوله : مَكاناً شَرْقِيًّا يقول : فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قبل مشرق الشمس دون مغربها ، كما : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : مَكاناً شَرْقِيًّا قال : من قبل المشرق . حدثني إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد بن عبد الله ، عن داود ، عن عامر ، عن ابن عباس ، قال : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة ؟ لقول الله : فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة . حدثنا ابن المثني ، قال : ثني عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عامر ، عن ابن عباس ، مثله . حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه أبو قابوس ، عن ابن عباس ، قال : إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت ، والحج لله ،