محمد بن جرير الطبري
22
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً يعني النحاس . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أي النحاس ليلزمه به . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً قال : نحاسا . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : القطر : الحديد المذاب ، ويستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر : حساما كلون الملح صاف حديده * جرازا من أقطار الحديد المنعت وقوله : فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ يقول عز ذكره : فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا بينهم ، وبين من دونهم من الناس ، فيصيروا فوقه وينزلوا منه إلى الناس . يقال منه : ظهر فلان فوق البيت : إذا علاه ؛ ومنه قول الناس : ظهر فلان على فلان : إذا قهره وعلاه . وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً يقول : ولم يستطيعوا أن ينقبوه من أسفله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ من فوقه : وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي من أسفله . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ قال : ما استطاعوا أن ينزعوه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ قال : أن يرتقوه وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج فما استطاعوا أن يظهروه قال : يعلوه وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي ينقبوه من أسفله . واختلف أهل العربية في وجه حذف التاء من قوله : فَمَا اسْطاعُوا فقال بعض نحويي البصرة : فعل ذلك لأن لغة العرب أن تقول : اسطاع يسطيع ، يريدون بها : استطاع يستطيع ، ولكن حذفوا التاء إذا جمعت مع الطاء ومخرجهما واحد . قال : وقال بعضهم : استاع ، فحذف الطاء لذلك . وقال بعضهم : أسطاع يسطيع ، فجعلها من القطع كأنها أطاع يطيع ، فجعل السين عوضا من إسكان الواو . وقال بعض نحويي الكوفة : هذا حرف استعمل فكثر حتى حذف . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي يقول عز ذكره : فلما رأى ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج لا يستطيعون أن يظهروا ما بنى من الردم ، ولا يقدرون عل نقبه ، قال : هذا الذي بنيته وسويته حاجزا بين هذه الأمة ، ومن دون الردم رحمة من ربي رحم بها من دون الردم من الناس ، فأعانني برحمته لهم حتى بنيته وسويته ليكف بذلك غائلة هذه الأمة عنهم . وقوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ يقول : فإذا جاء وعد ربي الذي جعله ميقاتا لظهور هذه الأمة وخروجها من وراء هذا الردم لهم ، جعله دكاء ، يقول : سواه بالأرض ، فألزقه بها ، من قولهم : ناقة دكاء : مستوية الظهر لا سنام لها . وإنما معنى الكلام : جعله مدكوكا ، فقيل : دكاء . وكان