محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وسمنوا ، ورؤي أثره عليهم ، فدرت عليهم الإناث ، وشبقت منهم الرجال الذكور ، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا ، وجفرت الذكور ، وحالت الإناث ، وتبين أثر ذلك عليهم ، وهم يتداعون تداعي الحمام ، ويعوون عواء الكلاب ، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم . فلما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين ، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك ما يلي مشرق الشمس ، فوجد بعد ما بينهما مئة فرسخ ؛ فلما أنشأ في عمله ، حفر له أساسا حتى بلغ الماء ، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا ، وجعل حشوه الصخور ، وطينه النحاس ، يذاب ثم يصب عليه ، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ، ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب ، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر ، فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد ؛ فلما فرغ منه وأحكمه . انطلق عامدا إلى جماعة الإنس والجن ؛ فبينا هو يسير ، دفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون ، فوجد أمة مقسطة مقتصدة ، يقسمون بالسوية ، ويحكمون بالعدل ، ويتآسون ويتراحمون ، حالهم واحدة ، وكلمتهم واحدة ، وأخلاقهم مشتبهة ، وطريقتهم مستقيمة ، وقلوبهم متألفة ، وسيرتهم حسنة ، وقبورهم بأبواب بيوتهم ، وليس على بيوتهم أبواب ، وليس عليهم أمراء ، وليس بينهم قضاة ، وليس بينهم أغنياء ، ولا ملوك ، ولا أشراف ، ولا يتفاوتون ، ولا يتفاضلون ، ولا يختلفون ، ولا يتنازعون ، ولا يستبون ، ولا يقتتلون ، ولا يقحطون ، ولا يحردون ، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس ، وهم أطول الناس أعمارا ، وليس فيهم مسكين ، ولا فقير ، ولا فظ ، ولا غليظ ؛ فلما رأى ذلك ذو القرنين من أمرهم ، عجب منه وقال : أخبروني ، أيها القوم خبركم ، فإني قد أحصيت الأرض كلها برها وبحرها ، وشرقها وغربها ، ونورها وظلمتها ، فلم أجد مثلكم ، فأخبروني خبركم ؛ قالوا : نعم ، فسلنا عما تريد ، قال : أخبروني ، ما بال قبور موتاكم على أبواب بيوتكم ؟ قالوا : عمدا فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت ، ولا يخرج ذكره من قلوبنا ؛ قال : فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب ؟ قالوا : ليس فينا متهم ، وليس منا إلا أمين مؤتمن ؛ قال : فما لكم ليس عليكم أمراء ؟ قالوا : لا نتظالم ؛ قال : فما بالكم ليس فيكم حكام ؟ قالوا : لا نختصم ؛ قال : فما بالكم ليس فيكم أغنياء ؟ قالوا : لا نتكاثر ؛ قال : فما بالكم ليس فيكم ملوك ؟ قالوا : لا نتكابر ؛ قال : فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون ؟ قالوا : من قبل ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا ؛ قال : فما بالكم لا تستبون ولا تقتتلون ؟ قالوا : من قبل أنا غلبنا طبائعنا بالعزم ، وسسنا أنفسنا بالأحلام ؛ قال : فما بالكم كلمتكم واحدة ، وطريقتكم مستقيمة مستوية ؟ قالوا : من قبل أنا لا نتكاذب ، ولا نتخادع ، ولا يغتاب بعضنا بعضا ؛ قال : فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم ، واعتدلت سيرتكم ؟ قالوا : صحت صدورنا ، فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا ؛ قال : فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير ؟ قالوا : من قبل أنا نقتسم بالسوية ؛ قال : فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ ؟ قالوا : من قبل الذل والتواضع ؛ قال : فما جعلكم أطول الناس أعمارا ؟ قالوا : من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل ؛ قال : فما بالكم لا تقحطون ؟ قالوا : لا نغفل عن