محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بضم السين وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين . وكان بعض قراء المكيين يقرؤه بفتح ذلك كله . وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة ، ويضم السين في يس ، ويقول : السد بالفتح : هو الحاجز بينك وبين الشيء ؛ والسد بالضم : ما كان من غشاوة في العين . وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله : حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة . وروي عن عكرمة في ذلك ما : حدثنا به أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن هارون ، عن أيوب ، عن عكرمة قال : ما كان من صنعة بني آدم فهو السد السدين ، يعني بالفتح ، وما كان من صنع الله فهو السد . وكان الكسائي يقول : هما لغتان بمعنى واحد . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء ، وعكرمة بين السد والسد ، لأنا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرقان ما بين ذلك على ما حكي عنهما . وما يبين ذلك أن جميع أهل التأويل الذي روي لنا عنهم في ذلك قول ، لم يحك لنا عن أحد منهم تفصيل بين فتح ذلك وضمه ، ولو كانا مختلفي المعنى لنقل الفصل مع التأويل إن شاء الله ، ولكن معنى ذلك كان عندهم غير مفترق ، فيفسر الحرف بغير تفصيل منهم بين ذلك . وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك ، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب وهارون ، وفي نقله نظر ، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه . والسد والسد جميعا : الحاجز بين الشيئين ، وهما هاهنا فيما ذكر جبلان سد ما بينهما ، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم ، ليقطع مادة غوائلهم وعيثهم عنهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس " حتى إذا بلغ بين السدين " قال : الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج ، أمتين من وراء ردم ذي القرنين ، قال : الجبلان : أرمينية وأذربيجان . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة " حتى إذا بلغ بين السدين " وهما جبلان . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " بين السدين " يعني بين جبلين . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " بين السدين " قال : هما جبلان . وقوله وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا يقول عز ذكره : وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قول قائل سوى كلامهم . وقد اختلفت القراء في قراءة قوله يَفْقَهُونَ فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة يَفْقَهُونَ قَوْلًا بفتح القاف والياء ، من فقه الرجل يفقه فقها . وقرأ ذلك عامه قراء أهل الكوفة " يفقهون قولا " بضم الياء وكسر القاف : من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها : إذا فهمته ذلك . والصواب عندي من القول في ذلك ، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ، غير دافعة إحداهما الأخرى ؛ وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولا لغيرهم عنهم ، فيكون صوابا القراءة