محمد بن جرير الطبري
11
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حُسْناً يقول : وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ يقول جل ثناؤه قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ يقول : أما من كفر فسوف نقتله ، حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ قال : هو القتل . وقوله : ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً يقول : ثم يرجع إلى الله تعالى بعد قتله ، فيعذبه عذابا عظيما ، وهو النكر ، وذلك عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى يقول : وأما من صدق الله منهم ووحده ، وعمل بطاعته ، فله عند الله الحسنى ، وهي الجنة ، جَزاءً يعني ثوابا على إيمانه ، وطاعته ربه . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة : " فله جزاء الحسنى " برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى . وإذا قرئ ذلك كذلك ، فله وجهان من التأويل : أحدهما : أن يجعل الحسنى مرادا بها إيمانه وأعماله الصالحة ، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك : وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها ، يعني جزاء هذه الأفعال الحسنة . والوجه الثاني : أن يكون معنيا بالحسنى : الجنة ، وأضيف الجزاء إليها ، كما قيل وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ والدار : هي الآخرة ، وكما قال : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ والدين : هو القيم . وقرأ آخرون : فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى بمعنى : فله الجنة جزاء فيكون الجزاء منصوبا على المصدر ، بمعنى : يجازيه جزاء الجنة . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأه : فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى بنصب الجزاء وتنوينه على المعنى الذي وصفت ، من أن لهم الجنة جزاء ، فيكون الجزاء نصبا على التفسير . وقوله : وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً يقول : وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه ما يقر به إلى الله ويلين له من القول . وكان مجاهد يقول نحوا مما قلنا في ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثتي الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : مِنْ أَمْرِنا يُسْراً قال معروفا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى . . . بِما لَدَيْهِ خُبْراً يقول تعالى ذكره : ثم سار وسلك ذو القرنين طرقا ومنازل ، كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً يعني منزلا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً منازل الأرض ومعالمها . حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً : يقول تعالى ذكره : ووجد ذو القرنين الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ، وذلك أن أرضهم لا جبل فيها ولا شجر ، ولا تحتمل بناء ، فيسكنوا البيوت ، وإنما يغورون في المياه ، أو يسربون في الأسراب .