محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقوله : فَأَتْبَعَ سَبَباً اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة " فاتبع " بوصل الألف ، وتشديد التاء ، بمعنى : سلك وسار ، من قول القائل : اتبعت أثر فلان : إذا قفوته ؛ وسرت وراءه . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة فَأَتْبَعَ بهمز ، وتخفيف التاء ، بمعنى لحق . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب : قراءة من قرأ : " فاتبع " بوصل الألف ، وتشديد التاء ، لأن ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن مسير ذي القرنين في الأرض التي مكن له فيها ، لا عن لحاقه السبب ، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس " فاتبع سببا " يعني بالسبب : المنزل . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : سَبَباً قال : منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه . حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد " فاتبع سببا " قال : طريقا في الأرض . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة " فاتبع سببا " : اتبع منازل الأرض ومعالمها . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله " فاتبع سببا " قال : هذه الآن سبب الطرق كما قال فرعون يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ قال : طرق السماوات . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : " فاتبع سببا " قال : منازل الأرض . حدثنا عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : " فاتبع سببا " قال : المنازل . القول في تأويل قوله تعالى : حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ يقول تعالى ذكره : حَتَّى إِذا بَلَغَ ذو القرنين مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فاختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة : فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ بمعنى : أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة ، وقرأته جماعة من قراء المدينة ، وعامة قراء الكوفة : " في عين حامية " يعني أنها تغرب في عين ماء حارة . واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القراء في قراءته . ذكر من قال ذلك : تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال : في طين أسود . حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان يقرأ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قال : ذات حماة . حدثنا الحسين بن الجنيد ، قال : ثنا سعيد بن سلمة ، قال : ثنا إسماعيل بن علية ، عن عثمان بن حاضر ، قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : قرأ معاوية هذه الآية ، فقال : " عين حامية " فقال ابن عباس : إنها عين حمئة ، قال : فجعلا كعبا بينهما ،