محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لدي كما كتبت عليك في أم الكتاب ، ولك بكل حسنة عشر أمثالها ، وهي خمسون في أم الكتاب ، وهي خمس عليك ؛ فرجع إلى موسى ، فقال : كيف فعلت ؟ فقال : " خفف عني ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها " ، قال : قد والله راودني بني إسرائيل على أدنى من هذا فتركوه فارجع فليخفف عنك أيضا ، قال : " يا موسى قد والله استحييت من ربي مما أختلف إليه " ، قال : فاهبط باسم الله ، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : إن الله عز وجل أخبر أنه أسرى بعبده من المسجد الحرام ، والمسجد الحرام هو الذي يتعارفه الناس بينهم إذا ذكروه ، وقوله : إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى يعني : مسجد بيت المقدس ، وقيل له : الأقصى ، لأنه أبعد المساجد التي تزار ، وينبغي في زيارته الفضل بعد المسجد الحرام . فتأويل الكلام تنزيها لله ، وتبرئة له ما نحله المشركون من الإشراك والأنداد والصاحبة ، وما يجل عنه جل جلاله ، الذي سار بعبده ليلا من بيته الحرام إلى بيته الأقصى . ثم اختلف أهل العلم في صفة إسراء الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فقال بعضهم : أسرى الله بجسده ، فسار به ليلا على البراق من بيته الحرام إلى بيته الأقصى حتى أتاه ، فأراه ما شاء أن يريه من عجائب أمره وعبره وعظيم سلطانه ، فجمعت له به الأنبياء ، فصلى بهم هنا لك ، وعرج به إلى السماء حتى صعد به فوق السماوات السبع ، وأوحى إليه هنا لك ما شاء أن يوحي ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته ، فصلى به صلاة الصبح . ذكر من قال ذلك ، وذكر بعض الروايات التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيحه : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق ، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام ، يقع حافرها موضع طرفها ، قال : فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية ، فنفرت العير ، وفيها بعير عليه غرارتان : سوداء ، وزرقاء ، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيلياء فأتى بقدحين : قدح خمر ، وقدح لبن ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح اللبن ، فقال له جبرئيل : هديت إلى الفطرة ، لو أخذت قدح الخمر غوت أمتك . قال ابن شهاب : فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي هناك إبراهيم وعيسى ، فنعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " فأما موسى فضرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة ، وأما عيسى فرجل أحمر كأنما خرج من ديماس ، فأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي ؛ وأما إبراهيم فأنا أشبه ولده به " ؛ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدث قريشا أنه أسري به . قال عبد الله : فارتد ناس كثير بعد ما أسلموا ، قال أبو سلمة : فأتى أبو بكر الصديق ، فقيل له : هل لك في صاحبك ، يزعم أنه أسري به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة ، قال أبو بكر : أو قال ذلك ؟ قالوا : نعم ، قال : فأشهد إن كان قال ذلك لقد صدق ، قالوا : أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة ؟ قال : إني أصدقه بأبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء . قال أبو سلمة : سمعت جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لما كذبتني قربتني قريش فمثل الله لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا انظر إليه " . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، عن أنس بن مالك ، قال : لما جاء جبرائيل عليه السلام بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكأنها ضربت بذنبها ، فقال لها جبرئيل : مه يا براق ، فوالله إن ركبك مثله ؛ فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو بعجوز ناء عن الطريق : أي على جنب الطريق . قال أو جعفر :