محمد بن جرير الطبري
84
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالركوب فيها إلى أماكن تجاراتكم ومطالبكم ومعايشكم ، وتلتمسون من رزقه . إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً يقول : إن الله كان بكم رحيما حين أجرى لكم الفلك في البحر ، تسهيلا منه بذلك عليكم التصرف في طلب فضله في البلاد النائية التي لولا تسهيله لكم لصعب عليكم الوصول إليها . وبنحو ما قلنا في قوله : يُزْجِي لَكُمُ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي عن ابن عباس قوله : رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ يقول : يجري الفلك . حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ قال : يسيرها في البحر . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ قال : يجري . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ قال : يجريها . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً يقول تعالى ذكره : وإذا نالتكم الشدة والجهد في البحر ضل من تدعون : يقول : فقدتم من تدعون من دون الله من الأنداد والآلهة ، وجار عن طريقكم فلم يغثكم ، ولم تجدوا غير الله مغيثا يغيثكم دعوتموه ، فلما دعوتموه وأغاثكم ، وأجاب دعاءكم ونجاكم من هول ما كنتم فيه في البحر ، أعرضتم عما دعاكم إليه ربكم من خلع الأنداد ، والبراءة من الآلهة ، وإفراده بالألوهة كفرا منكم بنعمته وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً يقول : وكان الإنسان إذا جحد لنعم ربه . القول في تأويل قوله تعالى : أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا يقول تعالى ذكره : أَ فَأَمِنْتُمْ أيها الناس من ربكم ، وقد كفرتم نعمته بتنجيته إياكم من هول ما كنتم فيه في البحر ، وعظيم ما كنتم قد أشرفتم عليه من الهلاك ، فلما نجاكم وصرتم إلى البر كفرتم ، وأشركتم في عبادته غيره أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ يعني ناحية البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً يقول : أو يمطركم حجارة من السماء تقتلكم ، كما فعل بقوم لوط ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا يقول : ثم لا تجدوا لكم ما يقوم بالمدافعة عنكم من عذابه وما يمنعكم منه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً يقول : حجارة من السماء ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أي منعة ولا ناصرا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً قال : مطر الحجارة إذا خرجتم من البحر . وكان بعض أهل العربية يوجه تأويل قوله أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً إلى : أو يرسل عليكم ريحا عاصفا تحصب ، ويستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر : مستقبلين شمال الشام يضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور وأصل الحاصب : الريح تحصب بالحصباء ؛ الأرض فيها الرمل والحصى الصغار . يقال في الكلام : حصب فلان فلانا : إذا رماه بالحصباء . وإنما وصفت الريح بأنها تحصب لرميها الناس بذلك ، كما قال الأخطل : ولقد علمت إذا العشار تروحت * هدج الرئال تكبهن شمالا ترمي العضاه بحاصب من ثلجها * حتى يبيت على العضاه جفالا