محمد بن جرير الطبري

50

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الفراء ، قال : ثني هشيم ، عن أبي بشر جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، أنه قرأ : " واخفض لهما جناح الذل " . قال الفراء : وأخبرني الحكيم بن ظهير ، عن عاصم بن أبي النجود ، أنه قرأها الذل أيضا ، فسألت أبا بكر فقال : الذل قرأها عاصم . وأما قوله : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً فإنه يقول : ادع الله لوالديك بالرحمة ، وقل رب ارحمهما ، وتعطف عليهما بمغفرتك ورحمتك ، كما تعطفا علي في صغري ، فرحماني وربياني صغيرا ، حتى استقللت بنفسي ، واستغنيت عنهما . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً هكذا علمتم ، وبهذا أمرتم ، خذوا تعليم الله وأدبه . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو ماد يديه رافع صوته يقول : " من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه " . ولكن كانوا يرون أنه من بر والديه ، وكان فيه أدنى تقي ، فإن ذلك مبلغه جسيم الخير . وقال جماعة من أهل العلم : إن قول الله جل ثناؤه : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً منسوخ بقوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ذكر من قال ذلك : حدثني علي بن داود ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ثم أنزل الله عز وجل بعد هذا : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة ، قال في سورة بني إسرائيل إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما إلى قوله وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً فنسختها الآية التي في براءة ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى الآية . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما الآية ، قال : نسختها الآية التي في براءة ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية . وقد تحتمل هذه الآية أن تكون وإن كان ظاهرها عاما في كل الآباء بغير معنى النسخ ، بأن يكون تأويلها على الخصوص ، فيكون معنى الكلام : وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا إذا كانا مؤمنين ، كما ربياني صغيرا ، فتكون مرادا بها الخصوص على ما قلنا غير منسوخ منها شيء . وعنى بقول ربياني : نمياني . القول في تأويل قوله تعالى : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ يقول تعالى ذكره رَبُّكُمْ أيها الناس أَعْلَمُ منكم بِما فِي نُفُوسِكُمْ من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم وتكرمتهم ، والبر بهم ، وما فيها من اعتقاد الاستخفاف بحقوقهم ، والعقوق لهم ، وغير ذلك من ضمائر صدوركم ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، وهو مجازيكم على حسن ذلك وسيئه ، فاحذروا أن تضمروا لهم سوءا ، وتعقدوا لهم عقوقا . وقوله إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ يقول : إن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم ، وأطعتم الله فيما أمركم به من البر بهم ، والقيام بحقوقهم عليكم ، بعد هفوة كانت منكم ، أو زلة في واجب لهم عليكم مع القيام بما ألزمكم في غير ذلك من فرائضه . فإنه كان للأوابين بعد الزلة ، والتائبين بعد الهفوة غفورا لهم . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي وعمي عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ قال : البادرة تكون من الرجل إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير ، فقال : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما