محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول جل ثناؤه : فأنيبوا إلى طاعة الله ربكم ، فقد بعثنا إليكم رسولا ينبهكم على حججنا عليكم ، ويوقظكم من غفلتكم ، ولم نكن لنعذب قوما حتى نبعث إليهم رسولا منبها لهم على حجج الله ، وأنتم على فسوقكم مقيمون ، وَكَفى بِرَبِّكَ يا محمد بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ؛ يقول : وحسبك يا محمد بالله خابرا بذنوب خلقه عالما ، فإنه لا يخفى عليه شيء من أفعال مشركي قومك هؤلاء ، ولا أفعال غيرهم من خلقه ، هو بجميع ذلك عالم خابر بصير ، يقول : يبصر ذلك كله فلا يغيب عنه منه شيء ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر . وقد اختلف في مبلغ مدة القرن : فحدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن أبي محمد بن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : القرون القرن : عشرون ومئة سنة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن كان ، وآخرهم يزيد بن معاوية . وقال آخرون : القرون بل هو مئة سنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا حسان بن محمد بن عبد الرحمن الحمصي أبو الصلت الطائي ، قال : ثنا سلامة بن حواس ، عن محمد بن القاسم ، عن عبد الله بن بسر المازني ، قال : وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه وقال : " سيعيش هذا الغلام قرنا " قلت : كم القرن ؟ القرون قال : " مئة سنة " . حدثنا حسان بن محمد ، قال : ثنا سلامة بن حواس ، عن محمد بن القاسم ، قال : ما زلنا نعد له حتى تمت مئة سنة ثم مات . قال أبو الصلت : أخبرني سلامة أن محمد بن القاسم هذا كان ختن عبد الله بن بسر . وقال آخرون في ذلك بما : حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ، قال : أخبرنا عمر بن شاكر ، عن ابن سيرين ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القرون " القرن أربعون سنة " . وقوله : وَكَفى بِرَبِّكَ أدخلت الباء في قوله : بِرَبِّكَ وهو في محل رفع ، لأن معنى الكلام : وكفاك ربك ، وحسبك ربك بذنوب عباده خبيرا ، دلالة على المدح ؛ وكذلك تفعل العرب في كل كلام كان بمعنى المدح أو الذم ، تدخل في الاسم الباء والاسم المدخلة عليه الباء في موضع رفع لتدل بدخولها على المدح أو الذم كقولهم : أكرم به رجلا ، وناهيك به رجلا ، وجاد بثوبك ثوبا ، وطاب بطعامكم طعاما ، وما أشبه ذلك من الكلام ، ولو أسقطت الباء مما دخلت فيه من هذه الأسماء رفعت ، لأنها في محل رفع ، كما قال الشاعر : ويخبرني عن غائب المرء هديه * كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا فأما إذا لم يكن في الكلام مدح أو ذم فلا يدخلون في الاسم الباء ؛ لا يجوز أن يقال : قام بأخيك ، وأنت تريد : قام أخوك ، إلا أن تريد : قام رجل آخر به ، وذلك معنى غير المعنى الأول . القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ . . . مَذْمُوماً مَدْحُوراً يقول تعالى ذكره : من كان طلبه الدنيا العاجلة ولها يعمل ويسعى ، وإياها يبتغي ، لا يوقن بمعاد ، ولا يرجو ثوابا ولا عقابا من ربه على عمله عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ يقول : يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الدنيا عليه ، أو تقتيرها لمن أراد الله أن يفعل ذلك به ، أو إهلاكه بما يشاء من عقوباته . ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها يقول : ثم أصليناه عند مقدمه علينا في الآخرة جهنم ، مَذْمُوماً على قلة شكره إيانا ، وسوء صنيعه فيما سلف من أيادينا عنده في الدنيا مَدْحُوراً يقول : مبعدا : مقصى في النار . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ يقول : من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته ، عجل الله له فيها ما يشاء ، ثم اضطره إلى جهنم . قال : ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً مذموما في نعمة الله مدحورا في نقمة الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني أبو طيبة شيخ من أهل المصيصة ، أنه سمع أبا إسحاق الفزاري يقول : عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ قال : لمن