محمد بن جرير الطبري

37

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذين يؤمنون بالله ورسوله ، ويعملون في دنياهم بما أمرهم الله به ، وينتهون عما نهاهم عنه بأن لَهُمْ أَجْراً من الله على إيمانهم وعملهم الصالحات كَبِيراً يعني ثوابا عظيما ، وجزاء جزيلا ، وذلك هو الجنة التي أعدها الله تعالى لمن رضي عمله ، كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً قال : الجنة ، وكل شيء في القرآن أجر كبير ، أجر كريم ، ورزق كريم فهو الجنة وأن في قوله : أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً نصب بوقوع البشارة عليها وأن الثانية معطوفة عليها . وقوله : وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يقول تعالى ذكره : وأن الذين لا يصدقون بالمعاد إلى الله ، ولا يقرون بالثواب والعقاب في الدنيا ، فهم لذلك لا يتحاشون من ركوب معاصي الله أَعْتَدْنا لَهُمْ يقول : أعددنا لهم ، لقدومهم على ربهم يوم القيامة عَذاباً أَلِيماً يعني موجعا ، وذلك عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يقول تعالى ذكره مذكرا عباده أياديه عندهم ، ويدعو الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر ، فيقول : اللهم أهلكه والعنه عند ضجره وغضبه ، كدعائه بالخير : يقول : كدعائه ربه بأن يهب له العافية ، ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده ، يقول : فلو استجيب له في دعائه على نفسه وماله وولده بالشر كما يستجاب له في الخير هلك ، ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أييه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يعني قول الإنسان : اللهم العنه واغضب عليه ، فلو يعجل له ذلك كما يعجل له الخير ، لهلك ، قال : ويقال : هو وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً أن يكشف ما به من ضر ، يقول تبارك وتعالى : لو أنه ذكرني وأطاعني ، واتبع أمري عند الخير ، كما يدعوني عند البلاء ، كان خيرا له . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يدعو على ماله ، فيلعن ماله وولده ، ولو استجاب الله له لأهلكه . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ قال : يدعو على نفسه بما لو استجيب له هلك ، وعلى خادمه ، أو على ماله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا قال : ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته ، فيعجل : فيدعو عليه ، ولا يحب أن يصيبه . واختلف في تأويل قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا فقال مجاهد ومن ذكرت قوله : معناه : وكان الإنسان عجولا ، بالدعاء على ما يكره ، أن يستجاب له فيه . وقال آخرون : عنى بذلك آدم أنه عجل حين نفخ فيه الروح قبل أن تجري في جميع جسده ، فرام النهوض ، فوصف ولده بالاستعجال ، لما كان من استعجال أبيهم آدم القيام ، قبل أن يتم خلقه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، أن سلمان الفارسي ، قال : أول ما خلق الله من آدم رأسه ، فجعل ينظر وهو يخلق ، قال : وبقيت رجلاه ؛ فلما كان بعد العصر قال : يا رب عجل قبل الليل ، فذلك قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس ، قال : لما نفخ الله في آدم من روحه أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجرى شيء منها في جسده ، إلا صار لحما ودما ؛ فلما انتهت النفخة إلى سرته ، نظر إلى جسده ، فأعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول الله تبارك وتعالى : وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا قال : ضجرا لا صبر له