محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المقام وجاع أصحابه ، أرادوا الرجوع ، فخرجت إليهم عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت : أين أمير الجند ؟ فأتى بها إليه ، فقالت له : إنه بلغني أنك تريد أن ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة ، قال : نعم ، قد طال مقامي ، وجاع أصحابي ، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني ، فقالت : أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما سألتك ، وتقتل من أمرتك بقتله ، وتكف إذا أمرتك أن تكف ؟ قال : نعم ، قالت : إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ، ثم أقم على كل زاوية ربعا ، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء فنادوا : إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا ، فإنها سوف تساقط ؛ ففعلوا ، فتساقطت المدينة ، ودخلوا من جوانبها ، فقالت له : اقتل على هذا الدم حتى يسكن ، وانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير ، فقتل عليه حتى سكن سبعين ألفا وامرأة ؛ فلما سكن الدم قالت له : كف يدك ، فإن الله تبارك وتعالى إذا قتل نبي لم يرض ، حتى يقتل من قتله ، ومن رضي قتله ، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته ، فكف عنه وعن أهل بيته ، وخرب بيت المقدس ، وأمر به أن تطرح فيه الجيف ، وقال : من طرح فيه جيفة فله جزيته تلك السنة ، وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى ، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم ، وذهب بدانيال وعليا وعزوريا وميشائيل ، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت ؛ فلما قدم أرض بابل وجد صحابين قد مات ، فملك مكانه ، وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه ، فحسدهم المجوس على ذلك ، فوشوا بهم إليه وقالوا : إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ، ولا يأكلون من ذبيحتك ، فدعاهم فسألهم ، فقالوا : أجل إن لنا ربا نعبده ، ولسنا نأكل من ذبيحتكم ، فأمر بخد فخد لهم ، فالقوا فيه وهم ستة ، وألقي معهم سبعا ضاريا ليأكلهم ، فقال : انطلقوا فلنأكل ولنشرب ، فذهبوا فأكلوا وشربوا ، ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه بينهم ، ولم يخدش منهم أحدا ، ولم ينكأه شيئا ، ووجدوا معهم رجلا ، فعدوهم فوجدوهم سبعة ، فقالوا : ما بال هذا السابع إنما كانوا ستة ؟ فخرج إليهم السابع ، وكان ملكا من الملائكة ، فلطمه لطمة فصار في الوحش ، فكان فيهم سبع سنين ، لا يراه وحشي إلا أتاه حتى ينكحه ، يقتص منه ما كان يصنع بالرجال ؛ ثم إنه رجع ورد الله عليه ملكه ، فكانوا أكرم خلق الله عليه . ثم إن المجوس وشوا به ثانية ، فألقوا أسدا في بئر قد ضري ، فكانوا يلقون إليه الصخرة فيأخذها ، فألقوا إليه دانيال ، فقام الأسد في جانب ، وقام دانيال في جانب لا يمسه ، فأخرجوه ، وقد كان قبل ذلك خد لهم خدا ، فأوقد فيه نارا ، حتى إذا أججها قذفهم فيها ، فأطفأها الله عليهم ولم ينلهم منها شيء . ثم إن بختنصر رأى بعد ذلك في منامه صنما رأسه من ذهب ، وعنقه من شبه ، وصدره من حديد ، وبطنه أخلاط ذهب وفضة وقوارير ، ورجلاه من فخار ؛ فبينا هو قائم ينظر ، إذ جاءت صخرة من السماء من قبل القبلة ، فكسرت الصنم فجعلته هشيما ، فاستيقظ فزعا وانسيها ، فدعا السحرة والكهنة ، فسألهم ، فقال : أخبروني عما رأيت فقالوا له : لا ، بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك . قال : لا أدري ، قالوا له : فهؤلاء الفتية الذين تكرمهم ، فادعهم فاسألهم ، فإن هم لم يخبروك بما رأيت فما تصنع بهم ؟ قال : أقتلهم فأرسل إلى دانيال وأصحابه ، فدعاهم ، فقال لهم : أخبروني ماذا رأيت ؟ فقال له دانيال : بل أنت أخبرنا ما رأيت فنعبره لك قال : لا أدري قد نسيتها فقال له دانيال : كيف نعلم رؤيا لم تخبرنا بها ؟ فأمر البواب أن يقتلهم ، فقال دانيال للبواب : إن الملك إنما أمر بقتلنا من أجل رؤياه ، فأخرنا ثلاثة أيام ، فإن نحن أخبرنا الملك برؤياه وإلا فاضرب أعناقنا ؛ فأجلهم فدعوا الله ؛ فلما كان اليوم الثالث أبصر كل رجل منهم رؤيا بختنصر على حدة ، فأتوا البواب فأخبروه ، فدخل على الملك فأخبره ، ففال : أدخلهم علي ؛ وكان بختنصر