محمد بن جرير الطبري
174
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الشرك بالله ، وينزجروا عن الكفر به ومعاصيه وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ يقول : ويخاصم الذين كذبوا بالله ورسوله بالباطل ، ذلك كقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم : أخبرنا عن حديث فتية ذهبوا في أول الدهر لم يدر ما شأنهم ، وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وعن الروح ، وما أشبه ذلك مما كانوا يخاصمونه به ، يبتغون إسقاطه ، تعنيتا له صلى الله عليه وسلم ، فقال الله لهم : إنا لسنا نبعث إليكم رسلنا للجدال والخصومات ، وإنما نبعثهم مبشرين أهل الإيمان بالجنة ، ومنذرين أهل الكفر بالنار ، وأنتم تجادلونهم بالباطل طلبا منكم بذلك أن تبطلوا الحق الذي جاءكم به رسولي . وعنى بقوله : لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ليبطلوا به الحق ويزيلوه ويذهبوا به . يقال منه : دحض الشيء : إذا زال وذهب ، ويقال : هذا مكان دحض : أي مزل مزلق لا يثبت فيه خف ولا حافر ولا قدم ؛ ومنه قوله الشاعر : رديت ونجى اليشكري حذاره * وحاد كما حاد البعير عن الدحض ويروي : ونحى ، وأدحضته أنا : إذا أذهبته وأبطلته . وقوله : وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً يقول : واتخذوا الكافرون بالله حججه التي احتج بها عليهم ، وكتابه الذي أنزله إليهم ، والنذر التي أنذرهم بها سخريا يسخرون بها ، يقولون : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا و لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ . . . فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً يقول عز ذكره : وأي الناس أوضع للإعراض والصد في غير موضعهما ممن ذكره بآياته وحججه ، فدله بها على سبيل الرشاد ، وهداه بها إلى طريق النجاة ، فأعرض عن آياته وأدلته التي في استدلاله بها الوصول إلى الخلاص من الهلاك وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ يقول : ونسي ما أسلف من الذنوب المهلكة فلم يتب ، ولم ينب ؛ كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أي نسي ما سلف من الذنوب . وقوله : إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يقول تعالى ذكره : إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الذين يعرضون عن آيات الله إذا ذكروا بها أغطية لئلا يفقهوه ، لأن المعنى أن يفقهوا ما ذكروا به . وقوله : وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يقول : في آذانهم ثقلا لئلا يسمعوه وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى يقول عز ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن تدع يا محمد هؤلاء المعرضين عن آيات الله عند التذكير بها إلى الاستقامة على محجة الحق والإيمان بالله ، وما جئتهم به من عند ربك فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً يقول : فلن يستقيموا إذا أبدا على الحق ، ولن يؤمنوا بما دعوتهم إليه ، لأن الله قد طبع على قلوبهم ، وسمعهم وأبصارهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وربك الساتر يا محمد على ذنوب عباده بعفوه عنهم إذا تابوا منهم ذُو الرَّحْمَةِ بهم لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا هؤلاء المعرضين عن آياته إذا ذكروا بها بما كسبوا من الذنوب والآثام ، لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولكنه لرحمته بخلقه غير فاعل ذلك بهم إلى ميقاتهم وآجالهم ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ يقول : لكن لهم موعد ، وذلك ميقات محل عذابهم ، وهو يوم بدر لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا يقول تعالى : ذكره : لن يجد هؤلاء المشركون ، وإن لم يعجل لهم العذاب في الدنيا من دون الموعد الذي جعلته ميقاتا لعذابهم ، مما يلجأون إليه ، ومنجى ينجون معه ، يعني أنهم لا يجدون معقلا يعتقلون به من عذاب الله ؛ يقال منه : وألت من كذا إلى كذا ، أئل وءولا ، مثل وعولا ؛ ومنه قول الشاعر : لا وألت نفسك خليتها * للعامريين ولم تكلم