محمد بن جرير الطبري

172

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً يقول عز ذكره ؛ وَيَوْمَ يَقُولُ الله عز ذكره للمشركين به الآلهة والأنداد نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ يقول لهم : ادعوا الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في العبادة لينصروكم ويمنعوكم مني فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ يقول : فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً فاختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وجعلنا بين هؤلاء المشركين وما كانوا يدعون من دون الله شركاء في الدنيا يومئذ عداوة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، عن عوف ، عن الحسن ، في قول الله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : جعل بينهم عداوة يوم القيامة . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عثمان بن عمر ، عن عوف ، عن الحسن وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : عداوة . وقال آخرون : معناه : وجعلنا فعلهم ذلك لهم مهلكا . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : مهلكا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : مَوْبِقاً قال : هلاكا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : الموبق : المهلك ، الذي أهلك بعضهم بعضا فيه ، أوبق بعضهم بعضا . وقرأ وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً حدثت عن محمد بن يزيد ، عن جويبر ، عن الضحاك مَوْبِقاً قال : هلاكا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن عرفجة ، في قوله وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : مهلكا . وقال آخرون : هو اسم واد في جهنم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي أيوب ، عن عمرو البكالي : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : واد عميق فصل به بين أهل الضلالة وأهل الهدى ، وأهل الجنة ، وأهل النار . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ذكر لنا أن عمرا البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو ، قال : هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عمر بن عبيد ، عن الحجاج بن أرطاة ، قال : قال مجاهد وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : واديا في النار . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى " ح " ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : واديا في جهنم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا عبد الصمد ، قال : ثنا يزيد بن درهم ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله عز وجل وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً قال : واد في جهنم من قيح ودم . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ، ومن وافقه في تأويل الموبق : أنه المهلك ، وذلك أن العرب تقول في كلامها : قد أوبقت فلانا : إذا أهلكته . ومنه قول الله عز وجل : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا بمعنى : يهلكهن . ويقال للمهلك نفسه : قد وبق فلان فهو يوبق وبقا . ولغة بني عامر : يأبق بغير همز . وحكي عن تميم أنها تقول : يبيق . وقد حكي وبق يبق وبوقا ، حكاها الكسائي . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول : الموبق : الوعد ، ويستشهد لقيله ذلك بقول الشاعر : وحاد شروري فالستار فلم يدع * تعارا له والواديين بموبق ويتأوله بموعد . وجائز أن يكون ذلك المهلك الذي جعل الله جل ثناؤه بين هؤلاء المشركين ، هو الوادي الذي ذكر عن عبد الله بن عمرو ، وجائز أن يكون العداوة التي قالها الحسن . وقوله : وَرَأَى