محمد بن جرير الطبري
168
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ليس عليها بناء ولا شجر . وقيل : معنى ذلك : وترى الأرض بارزا أهلها الذين كانوا في بطنها ، فصاروا على ظهرها . وقوله وَحَشَرْناهُمْ يقول : جمعناهم إلى موقف الحساب فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً يقول : فلم نترك ، ولم نبق منهم تحت الأرض أحدا ، يقال منه : ما غادرت من القوم أحدا ، وما أغدرت منهم أحدا ، ومن أغدرت قول الراجز : هل لك والعارض منك عائض * في هجمة يغدر منها القابض وقوله : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا يقول عز ذكره : وعرض الخلق على ربك يا محمد صفا . لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يقول عز ذكره : يقال لهم إذ عرضوا على الله : لقد جئتمونا أيها الناس أحياء كهيئتكهم حين خلقناكم أول مرة ؛ وحذف يقال من الكلام لمعرفة السامعين بأنه مراد في الكلام . وقوله : بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً وهذا الكلام خرج مخرج الخبر عن خطاب الله به الجميع ، والمراد منه الخصوص ، وذلك أنه قد يرد القيامة خلق من الأنبياء والرسل ، والمؤمنين بالله ورسله وبالبعث . ومعلوم أنه لا يقال يومئذ لمن وردها من أهل التصديق بوعد الله في الدنيا ، وأهل اليقين فيها بقيام الساعة ، بل زعمتم أن لن نجعل لكم البعث بعد الممات ، والحشر إلى القيامة موعدا ، وأن ذلك إنما يقال لمن كان في الدنيا مكذبا بالبعث وقيام الساعة . القول في تأويل قوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها يقول عز ذكره : ووضع الله يومئذ كتاب أعمال عباده في أيديهم ، فأخذ واحد بيمينه وأخذ واحد بشماله فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ يقول عز ذكره : فترى المجرمين المشركين بالله مشفقين ، يقول : خائفين وجلين مما فيه مكتوب من أعمالهم السيئة التي عملوها في الدنيا أن يؤاخذوا بها وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها يعني أنهم يقولون إذا قرأوا كتابهم ، ورأوا ما قد كتب عليهم فيه من صغائر ذنوبهم وكبائرها ، نادوا بالويل حين أيقنوا بعذاب الله ، وضجوا مما قد عرفوا من أفعالهم الخبيثة التي قد أحصاها كتابهم ، ولم يقدروا أن ينكروا صحتها ؛ كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ، ولم يشتك أحد ظلما ، " فإياكم والمحقرات من الذنوب ، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه " . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب لها مثلا ، يقول كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض ، وحضر صنيع القوم ، فانطلق كل رجل يحتطب ، فجعل الرجل يجيء بالعود ، ويجيء الآخر بالعود ، حتى جمعوا سوادا كثيرا وأججوا نارا ، فإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه حتى يهلكه . وقيل : إنه عنى بالصغيرة في هذا الموضوع : الضحك . ذكر من قال ذلك : حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا عبد الله بن داود ، قال : ثنا محمد بن موسى ، عن الزيال بن عمرو ، عن ابن عباس لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً قال : الضحك . حدثنا أحمد بن حازم ، قال : ثنا أبي ، قال : حدثتني أمي حمادة ابنة محمد ، قال : سمعت أبي محمد بن عبد الرحمن يقول في هذه الآية في قول الله عز وجل : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها قال : الصغيرة : الضحك . ويعني بقوله : ما لِهذَا الْكِتابِ ما شأن هذا الكتاب لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً يقول : لا يبقى صغيرة من ذنوبنا وأعمالنا ولا كبيرة منها إِلَّا أَحْصاها يقول : إلا حفظها . وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا في الدنيا من عمل حاضِراً في كتابهم ذلك مكتوبا مثبتا ، فجوزوا بالسيئة مثلها ، والحسنة ما الله جازيهم بها وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً يقول : ولا يجازي