محمد بن جرير الطبري
160
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وهي السرر في الحجال ، واحدتها : أريكة ؛ ومنه قول الشاعر : خدودا جفت في السير حتى كأنما * يباشرن بالمعزاء مس الأرائك ومنه قول الأعشى : بين الرواق وجانب من سترها * منها وبين أريكة الأنصار وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله عَلَى الْأَرائِكِ قال : هي الحجال . قال معمر ، وقال غيره : السرر في الحجال . وقوله : نِعْمَ الثَّوابُ يقول : نعم الثواب جنات عدن ، وما وصف جل ثناؤه أنه جعل لهؤلاء الذين آمنوا وعلموا الصالحات . وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً يقول : وحسنت هذه الأرائك في هذه الجنان التي وصف تعالى ذكره في هذه الآية متكأ . وقال جل ثناؤه : وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً فأنث الفعل بمعنى : وحسنت هذه الأرائك مرتفقا ، ولو ذكر لتذكير المرتفق كان صوابا ، لأن نعم وبئس إنما تدخلهما العرب في الكلام لتدلا على المدح والذم لا للفعل ، فلذلك تذكرهما مع المؤنث ، وتوحدهما مع الاثنين والجماعة . القول في تأويل قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً . . . خِلالَهُما نَهَراً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واضرب يا محمد لهؤلاء المشركين بالله ، الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، مَثَلًا مثل رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ أي جعلنا له بساتين من كروم وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ يقول : وأطفنا هذين البساتين بنخل . وقوله : وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً يقول : وجعلنا وسط هذين البساتين زرعا . وقوله : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها يقول : كلا البستانين أطعم ثمره وما فيه من الغروس من النخل والكرم وصنوف الزرع . وقال : كلتا الجنتين ، ثم قال : آتت ، فوحد الخبر ، لأن كلتا لا يفرد واحدتها ، وأصله كل ، وقد تفرد العرب كلتا أحيانا ، ويذهبون بها وهي مفردة إلى التثنية ؛ قال بعض الرجاز في ذلك : في كلت رجليها سلامي واحده * كلتاهما مقرونة بزائدة يريد بكلت : كلتا ، وكذلك تفعل بكلتا وكلا وكل إذا أضيفت إلى معرفة ، وجاء الفعل بعدهن ويجمع ويوحد . وقوله : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً يقول : ولم تنقص من الأكل شيئا ، بل آتت ذلك تاما كاملا ، ومنه قولهم : ظلم فلان فلانا حقه : إذا بخسه ونقصه ، كما قال الشاعر : تظلمني مالي كذا ولوى يدي * لوى يده الله الذي هو غالبه وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً أي لم تنقص ، منه شيئا . وقوله : وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً يقول تعالى ذكره : وسيلنا خلال هذين البستانين نهرا ، يعني بينها وبين أشجارهما نهرا . وقيل : وَفَجَّرْنا فثقل الجيم منه ، لأن التفجير في النهر كله ، وذلك أنه يميد ماء فيسيل بعضه بعضا . وقوله : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق : " وكان له ثمر " بضم الثاء والميم . واختلف قارئو ذلك كذلك ، فقال بعضهم : كان له ذهب وفضة ، وقالوا : ذلك هو الثمر ، لأنها أموال مثمرة ، يعني مكثرة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ قال : ذهب وفضة ، وفي قول الله عز وجل : بِثَمَرِهِ قال : هي أيضا ذهب وفضة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، في قوله ثَمَرٌ قال : ذهب وفضة . قال : وقوله : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ هي هي أيضا . وقال آخرون : بل عني به : المال الكثير من صنوف الأموال . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم ، قال : ثني حجاج ، عن هارون ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، قال : قرأها ابن عباس : " وكان له ثمر " بالضم ، وقال : يعني أنواع المال . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : " وكان له ثمر " يقول : مال . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد . قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : " وكان له ثمر " يقول : من كل المال . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ قال : الثمر من المال كله يعني الثمر ، وغيره من المال كله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا