محمد بن جرير الطبري
147
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله الذي أراهم آية للبعث فيهم ، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه . ثم دخلوا على الفتية الكهف ، فوجودهم جلوسا بين ظهريه ، مشرقة وجوههم ، لم تبل ثيابهم . فخر أريوس وأصحابه سجودا ، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته . ثم كلم بعضهم بعضا ، وأنبأهم الفتية عن الذين لقوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه . ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس ، أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله ، جعلها الله على ملكك ، وجعلها آية للعالمين ، لتكون لهم نورا وضياء ، وتصديقا بالبعث ، فاعجل على فتية بعثهم الله ، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مئة سنة . فلما أتى الملك تيذوسيس الخبر ، قام من المسندة التي كان عليها ، ورجع إليه رأيه وعقله ، وذهب عنه همه ، ورجع إلى الله عز وجل ، فقال : أحمدك اللهم رب السماوات والأرض ، أعبدك ، وأحمدك ، وأسبح لك ؛ تطولت علي ، ورحمتني برحمتك ، فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي ، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك ، فلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه ، وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس ، فتلقاهم أهل المدينة ، وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف حتى أتوه ؛ فلما رأى الفتية تيذوسيس ، فرحوا به ، وخروا سجودا على وجوههم ؛ وقام تيذوسيس قدامهم ، ثم اعتنقهم وبكى ، وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه ، ويقول : والله ما أشبه بكم إلا الحواريون حين رأوا المسيح . وقال : فرج الله عنكم ، كأنكم الذي تدعون فتحشرون من القبور فقال الفتية لتيذوسيس : إنا نودعك السلام ، والسلام عليك ورحمة الله ، حفظك الله ، وحفظ لك ملكك بالسلام ، ونعيذك بالله من شر الجن والإنس ؛ فأمر بعيش من خلر ونشيل . إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئا إلا كرامة إن أكرم بها ، ولا هوان إن أهين به . فبينما الملك قائم ، إذ رجعوا إلى مضاجعهم ، فناموا ، وتوفى الله أنفسهم بأمره . وقام الملك إليهم ، فجعل ثيابه عليهم ، وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوت من ذهب ؛ فلما أمسوا ونام ، أتوه في المنام ، فقالوا : إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة ، ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير ، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه ؛ فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج ، فجعلوهم فيه ، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب ، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم . وأمر الملك فجعل كهفهم مسجدا يصلى فيه ، وجعل لهم عيدا عظيما ، وأمر أن يؤتى كل سنة . فهذا حديث أصحاب الكهف . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قال : بعثهم الله يعني الفتية أصحاب الكهف وقد سلط عليهم ملك مسلم ، يعني على أهل مدينتهم ؛ وسلط الله على الفتية الجوع ، فقال قائل منهم : كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قال : فردوا علم ذلك إلى الله ، قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وإذا معهم ورق من ضرب الملك الذي كانوا في زمانه فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أي بطعام وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً . فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكرة حتى انتهى إلى المدينة ، فاستقبله الناس لا يعرف منهم أحدا ؛ فخرج ولا يعرفونه ، حتى انتهى إلى صاحب الطعام ، فسامه بطعامه ، فقال صاحب الطعام : هات ورقك ؛ فأخرج إليه الورق ، فقال : من أين لك هذا الورق ؟ قال : هذه ورقنا وورق أهل بلادنا فقال : هيهات هذه الورق من ضرب فلان بن فلان منذ ثلاث مئة وتسع سنين أنت أصبت كنزا ؛ ولست بتاركك حتى أرفعك إلى الملك . فرفعه إلى الملك ، وإذا الملك مسلم وأصحابه مسلمون ، ففرح واستبشر ، وأظهر لهم أمره ، وأخبرهم خبر أصحابه ؛ فبعثوا إلى اللوح في الخزانة ، فأتوا به ، فوافق ما وصف من أمرهم ، فقال المشركون : نحن أحق بهم هؤلاء أبناء آبائنا ، وقال المسلمون : نحن أحق بهم ، هم مسلمون منا . فانطلقوا معه إلى الكهف ؛ فلما أتوا باب الكهف قال : دعوني حتى أدخل على أصحابي حتى أبشرهم ، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم ؛ فدخل فبشرهم ، وقبض الله أرواحهم . قال : وعمى الله عليهم مكانهم ، فلم يهتدوا ، فقال المشركون : نبني عليهم بنيانا ، فإنهم أبناء آبائنا ، ونعبد الله فيها . وقال