محمد بن جرير الطبري

142

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قال : الوصيد : الصعيد ، التراب . وقال آخرون : الوصيد الباب . ذكر من قال ذلك : حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قال : بالباب ، وقالوا بالفناء . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : الوصيد : الباب ، أو فناء الباب حيث يغلق الباب ، وذلك أن الباب يوصد ، وإيصاده : إطباقه وإغلاقه من قول الله عز وجل : إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ وفيه لغتان : الأصيد ، وهي لغة أهل نجد ، والوصيد : وهي لغة أهل تهامة . وذكر عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إنها لغة أهل اليمن ، وذلك نظير قولهم : ورخت الكتاب وأرخته ، ووكدت الأمر وأكدته ؛ فمن قال الوصيد ، قال : أوصدت الباب فأنا أوصده ، وهو موصد ؛ ومن قال الأصيد ، قال : آصدت الباب فهو مؤصد ، فكان معنى الكلام : وكلبهم باسط ذراعيه بفناء كهفهم عند الباب ، يحفظ عليهم بابه . وقوله : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً يقول : لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم ، لأدبرت عنهم هاربا منهم فارا ، وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً يقول : ولملئت نفسك من اطلاعك عليهم فزعا ، لما كان الله ألبسهم من الهيبة ، كي لا يصل إليهم واصل ، ولا تلمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله ، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه ، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليه من عباده ، ليعلموا أن وعد الله حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فقرأته عامة قراء المدينة بتشديد اللام من قوله : " ولملئت " بمعنى أنه كان يمتلئ مرة بعد مرة . وقرأ ذلك عامة قراء العراق : وَلَمُلِئْتَ بالتخفيف ، بمعنى : لملئت مرة ، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في القراءة ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله : وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ . . . أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . . . فَلْيَأْتِكُمْ . . . وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً يقول تعالى ذكره : كما أرقدنا هؤلاء الفتية في الكهف ، فحفظناهم من وصول واصل إليهم ، وعين ناظر أن ينظر إليهم ، وحفظنا أجسامهم من البلاء على طول الزمان ، وثيابهم من العفن على مر الأيام بقدرتنا ؛ فكذلك بعثناهم من رقدتهم ، وأيقظناهم من نومهم ، لنعرفهم عظيم سلطاننا ، وعجيب فعلنا في خلقنا ، وليزدادوا بصيرة في أمرهم الذي هم عليه من براءتهم من عبادة الآلهة ، وإخلاصهم لعبادة الله وحده لا شريك له ، إذا تبينوا طول الزمان عليهم ، وهم بهيئتهم حين رقدوا . وقوله : لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ يقول : ليسأل بعضهم بعضا قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ يقول عز ذكره : فتساءلوا فقال قائل منهم لأصحابه : كَمْ لَبِثْتُمْ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ يقول : فأجابه الآخرون فقالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم . ظنا منهم أن ذلك كذلك كان ، فقال الآخرون : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فسلموا العلم إلى الله . وقوله : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يعني مدينتهم التي خرجوا منها هرابا ، التي تسمى أفسوس فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ذكر أنهم هبوا من رقدتهم جياعا ، فلذلك طلبوا الطعام . ذكر من قال ذلك ، وذكر السبب الذي من أجله ذكر أنهم بعثوا من رقدتهم حين بعثوا منها : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : أخبرني إسماعيل بن بشروس ، أنه سمع وهب بن منبه يقول : إنهم غبروا ، يعني الفتية من أصحاب الكهف بعد ما بني عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان ، ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف ، فقال : لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر ، فلم يزل يعالجه