محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في مرفق الإنسان الذي في اليد إلا فتح الفاء وكسر الميم . وكان الفراء يحكي فيهما ، أعني في مرفق الأمر واليد اللغتين كلتيهما ، وكان ينشد في ذلك قول الشاعر : بت أجافي مرفقا عن مرفقي ويقول : كسر الميم فيه أجود . وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول في قوله : مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً شيئا ترتفقون به مثل المقطع ، ومرفقا جعله اسما كالمسجد ، ويكون لغة ، يقولون : رفق يرفق مرفقا ، وإن شئت مرفقا تريد رفقا ولم يقرأ . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك . فقرأته عامة قراء أهل المدينة : " ويهيئ لكم من أمركم مرفقا " بفتح الميم وكسر الفاء ، وقرأته عامة قراء العراق في المصرين مِرْفَقاً بكسر الميم وفتح الفاء . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان بمعنى واحد ، قد قرأ بكل واحدة منهما قراء من أهل القرآن ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . غير أن الأمر وإن كان كذلك ، فإن الذي أختار في قراءة ذلك : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً بكسر الميم وفتح الفاء ، لأن ذلك أفصح اللغتين وأشهرهما في العرب ، وكذلك ذلك في كل ما ارتفق به من شيء . القول في تأويل قوله تعالى وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين . . . وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ يقول تعالى ذكره وَتَرَى الشَّمْسَ يا محمد إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين يعني بقوله : تزاور تعدل وتميل ، من الزور : وهو العوج والميل ؛ يقال منه : في هذه الأرض زور : إذا كان فيها اعوجاج ، وفي فلان عن فلان ازورار ، إذا كان فيه عنه إعراض ؛ ومنه قول بشر بن أبي خازم : يؤم بها الحداة مياه نخل * وفيها عن أبانين ازورار يعني : إعراضا وصدا . وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة ومكة والبصرة : " تزاور " بتشديد الزاي ، بمعنى : تتزاور بتاءين ، ثم أدغم إحدى التاءين في الزاي ، كما قيل : تظاهرون عليهم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين : تزاور بتخفيف التاء والزاي ، كأنه عنى به تفاعل من الزور . وروي عن بعضهم : " تزور " بتخفيف التاء وتسكين الزاي وتشديد الراء مثل تحمر ، وبعضهم : " تزوار " مثل تحمار . والصواب من القول في قراءه ذلك عندنا أن يقال : إنهما قراءتان ، أعني تزاور بتخفيف الزاي ، وتزاور بتشديدها معروفتان ، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما في قراء الأمصار ، متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب . وأما القراءتان الأخريان فإنهما قراءتان لا أرى القراءة بهما ، وإن كان لهما في العربية وجه مفهوم ، لشذوذهما عما عليه قراءة الأمصار . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله تزاور عن كهفهم قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا محمد بن أبي الوضاح ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير ، قال : وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين قال : تميل . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس تزاور عن كهفهم ذات اليمين يقول : تميل عنهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال يقول : تميل عن كهفهم يمينا وشمالا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين يقول : تميل ذات اليمين ، تدعهم ذات اليمين . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : تزاور عن كهفهم ذات اليمين قال : تميل عن كهفهم ذات اليمين . حدثت عن يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم ، ولو أنهم لا يقلبون لأكلتهم