محمد بن جرير الطبري
137
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ . . . يعني جل ثناؤه بقوله : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ فضربنا على آذانهم بالنوم في الكهف : أي ألقينا عليهم النوم ، كما يقول القائل لآخر : ضربك الله بالفالج ، بمعنى ابتلاه الله به ، وأرسله عليه . وقوله : سِنِينَ عَدَداً يعني سنين معدودة ، ونصب العدد بقوله فَضَرَبْنا . وقوله : ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى يقول : ثم بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا من رقدتهم ، لينظر عبادي فيعلموا بالبحث ، أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً يقول : أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا ؛ ويعني بالأمد : الغاية ، كما قال النابغة : إلا لمثلك أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد وذكر أن الذين اختلفوا في ذلك من أمورهم ، قوم من قوم الفتية ، فقال بعضهم : كان الحزبان جميعا كافرين . وقال بعضهم : بل كان أحدهما مسلما ، والآخر كافرا . ذكر من قال : كان الحزبان من قوم الفتية : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَيُّ الْحِزْبَيْنِ من قوم الفتية . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً يقول : ما كان لواحد من الفريقين علم ، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم . وأما قوله : أَمَداً فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : معناه : بعيدا . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله لِما لَبِثُوا أَمَداً يقول : بعيدا . وقال آخرون : معناه : عددا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أَمَداً قال : عددا . حدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وفي نصب قوله أَمَداً وجهان : أحدهما أن يكون منصوبا على التفسير من قوله أَحْصى كأنه قيل : أي الحزبين أصوب عددا لقدر لبثهم . وهذا هو أولى الوجهين في ذلك بالصواب ، لأن تفسير أهل التفسير بذلك جاء . والآخر : أن يكون منصوبا بوقوع قوله لَبِثُوا عليه ، كأنه قال : أي الحزبين أحصى للبثهم غاية . القول في تأويل قوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً . . . مِنْ دُونِهِ إِلهاً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بالحق ، يعني : بالصدق واليقين الذي لا شك فيه إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ يقول : إن الفتية الذين أووا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك ، فتية آمنوا بربهم ، وَزِدْناهُمْ هُدىً يقول : وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانا ، وبصيرة بدينهم ، حتى صبروا على هجران دار قومهم ، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله ، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه ، إلى خشونة المكث في كهف الجبل . وقوله : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ يقول عز ذكره : وألهمناهم الصبر ، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان حتى عزفت أنفسهم عما كانوا عليه من خفض العيش ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ يقول : بالإيمان . وقوله : إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول : حين قاموا بين يدي الجبار دقينوس ، فقالوا له إذ عاتبهم على