محمد بن جرير الطبري

120

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولا سنة ولا سنتين ، ولكن كان بين أوله وآخره عشرون سنة ، وما شاء الله من ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، قال : كان يقول : أنزل على نبي الله القرآن ثماني سنين ، وعشرا بعد ما هاجر . وكان قتادة يقول : عشرا بمكة ، وعشرا بالمدينة . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء القائلين لك لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، أو لا تؤمنوا به ، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله ولا ترككم الإيمان به ينقص ، ذلك . وإن تكفروا به ، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين ، إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما ، وعلما منهم بأنه من عند الله ، لأذقانهم سجدا بالأرض . واختلف أهل التأويل في الذي عني بقوله يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ فقال بعضهم : عني به : الوجوه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً يقول : للوجوه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً قال للوجوه . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . وقال آخرون : بل عني بذلك اللحي . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال الحسن في قوله : يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ قال : اللحي . وقوله : سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا يقول جل ثناؤه : ويقول هؤلاء الذين أوتوا العلم من قبل نزول هذا القرآن ، إذ خروا للأذقان سجودا عند سماعهم القرآن يتلى عليهم : تنزيها لربنا وتبرئة له مما يضيف إليه المشركون به ، ما كان وعد ربنا من ثواب وعقاب ، إلا مفعولا حقا يقينا ، إيمان بالقرآن وتصديق به . والأذقان في كلام العرب : جمع ذقن وهو مجمع اللحيين ، وإذ كان ذلك كذلك ، فالذي قال الحسن في ذلك أشبه بظاهر التنزيل . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل على اختلاف منهم في الذين عنوا بقوله أُوتُوا الْعِلْمَ وفي يُتْلى عَلَيْهِمْ ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد : الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إلى قوله خُشُوعاً قال : هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ من قبل النبي صلى الله عليه وسلم إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما أنزل إليهم من عند الله يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وقال آخرون : عني بقوله : الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، في قوله : إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ كتابهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ما أنزل الله إليهم من عند الله . وإنما قلنا : عني بقوله : إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ القرآن ، لأنه في سياق ذكر القرآن لم يجر لغيره من الكتب ذكر ، فيصرف الكلام إليه ، ولذلك جعلت الهاء التي في قوله : مِنْ قَبْلِهِ من ذكر القرآن ، لأن الكلام بذكره جرى قبله ، وذلك قوله : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ وما بعده في سياق الخبر عنه ، فذلك وجبت صحة ما قلنا إذا لم يأت بخلاف