محمد بن جرير الطبري

117

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

منهن سوى رب السماوات والأرض وهو بصائر جمع بصيرة . وقوله : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً يقول : إني لأظنك يا فرعون ملعونا ممنوعا من الخير . والعرب تقول : ما ثبرك عن هذا الأمر : أي ما منعك منه ، وما صدك عنه ؟ وثبره الله فهو يثبره ويثبره لغتان ، ورجل مثبور : محبوس عن الخيرات ها لك ؛ ومنه قول الشاعر : إذ أجاري الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مثبور وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبد الله بن عبد الله الكلابي ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، قال : ثنا عمر بن عبد الله ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً قال ملعونا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا مروان بن معاوية ، قال : أخبرنا عمر بن عبد الله الثقفي ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، مثله . حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً يقول : ملعونا . وقال آخرون : بل معناه : إني لأظنك يا فرعون مغلوبا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً يعني : مغلوبا . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً يقول : مغلوبا . وقال بعضهم : معنى ذلك : إني لأظنك يا فرعون هالكا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : مثبورا : أي هالكا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً : أي هالكا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، بنحوه . وقال آخرون : معناه : إني لأظنك مبدلا مغيرا . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، عن عيسى بن موسى ، عن عطية إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً قال : مبدلا . وقال آخرون : معناه : مخبولا لا عقل له . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً قال : الإنسان إذا لم يكن له عقل فما ينفعه ؟ يعني : إذا لم يكن له عقل ينتفع به في دينه ومعاشه دعته العرب مثبورا . قال : أظنك ليس لك عقل يا فرعون ، قال : بينا هو يخافه ولا ينطق لساني أن أقول هذا لفرعون ، فلما شرح الله صدره ، اجترأ أن يقول له فوق ما أمره الله . وقد بينا الذي هو أولى بالصواب في ذلك مثبورا قبل . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً . . . جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً يقول تعالى ذكره : فأراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل من الأرض ، فَأَغْرَقْناهُ في البحر ، وَمَنْ مَعَهُ من جنده جَمِيعاً . ونجينا موسى وبني إسرائيل ، وقلنا لهم من بعد هلاك فرعون اسْكُنُوا الْأَرْضَ أرض الشام فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً يقول : فإذا جاءت الساعة ، وهي وعد الآخرة ، جئنا بكم لفيفا : يقول : حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة لفيفا : أي مختلطين