محمد بن جرير الطبري

8

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثلاثة مغطاة أفواهها ، فاتى بإناء منها فيه ماء ، فقيل : اشرب ، فشرب منه يسيرا ؛ ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن ، فقيل له : اشرب ، فشرب منه حتى روى ؛ ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر ، فقيل له : اشرب ، فقال : " لا أريده قد رويت " فقال له جبرائيل صلى الله عليه وسلم : أما إنها ستحرم على أمتك ، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل ، ثم عرج به إلى سماء الدنيا ، فاستفتح جبرائيل بابا من أبوابها ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرائيل ، قيل : ومن معك ؟ فقال : محمد ، قالوا : أو قد أرسل إليه ، قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ؛ فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء ، كما ينقص من خلق الناس ، على يمينه باب يخرج منه ريح طيبة ، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة ، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر ، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن ، فقلت : " يا جبرائيل من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء ، وما هذان البابان ؟ " قال : هذا أبوك آدم ، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة ، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته ضحك واستبشر ، والباب الذي عن شماله باب جهنم ، إذا نظر إلى من يدخله من ذريته بكى وحزن ؛ ثم صعد به جبرئيل صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرائيل ، قيل : ومن معك ؟ قال : محمد رسول الله ، فقالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ، قال : فإذا هو بشابين ، فقال : " يا جبرائيل من هذان الشبان ؟ " قال : هذا عيسى ابن مريم ، ويحيى بن زكريا ابنا الخالة ، قال : فصعد به إلى السماء الثالثة ، فاستفتح ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبرائيل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ، قال : فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس كلهم في الحسن ، كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، قال : " من هذا يا جبرائيل الذي فضل على الناس في الحسن ؟ " قال : هذا أخوك يوسف ؛ ثم صعد به إلى السماء الرابعة ، فاستفتح ، فقيل : من هذا ؟ قال جبرائيل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ؛ قال : فدخل ، فإذا هو برجل ، قال : " من هذا يا جبرائيل ؟ " قال : هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا . ثم صعد به إلى السماء الخامسة ، فاستفتح جبرائيل ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبرائيل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ؛ ثم دخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم ، قال : " من هذا يا جبرائيل ومن هؤلاء الذين حوله ؟ " قال : هذا هارون المحبب في قومه ، وهؤلاء بنو إسرائيل ؛ ثم صعد به إلى السماء السادسة ، فاستفتح جبرائيل ، فقيل له : من هذا ؟ قال : جبرائيل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ؛ فإذا هو برجل جالس ، فجاوزه ، فبكى الرجل ، فقال : " يا جبرائيل من هذا ؟ " قال : موسى ، قال : " فما باله يبكي ؟ " قال : تزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله ، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا ، وأنا في أخرى ، فلو أنه بنفسه لم أبال ، ولكن مع كل نبي أمته ؛ ثم صعد به إلى السماء السابعة ، فاستفتح جبرائيل ، فقيل : من هذا ؟ قال : جبرائيل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، قالوا : أوقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : حياه الله من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ، ونعم المجيء جاء ، قال : فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي ، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه ، أمثال القراطيس ، وقوم في ألوانهم شيء ، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خلص ، من ألوانهم شيء ،