محمد بن جرير الطبري

107

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

التوراة ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم ، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به " فقال عند ذلك ، وهم جميعا : فنحاص ، وعبد الله بن صوريا ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وأشيع ، وكعب بن أسد ، وسموءل بن زيد ، وجبل بن عمرو : يا محمد ما يعلمك هذا إنس ولا جان ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل " ، فقالوا : يا محمد ، إن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما شاء ، ويقدر منه على ما أراد ، فأنزل علينا كتابا تقرؤه ونعرفه ، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به ، فأنزل الله عز وجل فيهم وفيما قالوا : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ إلى قوله وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً قال : معينا ، قال : يقول : لو برزت الجن وأعانهم الإنس ، فتظاهروا لم يأتوا بمثل هذا القرآن . وقوله عز وجل لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ رفع ، وهو جواب لقوله " لئن " ، لأن العرب إذا أجابت لئن بلا رفعوا ما بعدها ، لأن " لئن " كاليمين وجواب اليمين بلا مرفوع ، وربما جزم لأن التي يجاب بها زيدت عليه لام ، كما قال الأعشى : لئن منيت بنا عن غب معركة * لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يقول ذكره : ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل مثل ، احتجاجا بذلك كله عليهم ، وتذكيرا لهم ، وتنبيها على الحق ليتبعوه ويعملوا به فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً يقول : فأبى أكثر الناس إلا جحودا للحق ، وإنكارا لحجج الله وأدلته . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً يقول ذكره : وقال يا محمد ، المشركون بالله من قومك لك : لن نصدقك ، حتى تفجر لنا من أرضنا هذه عينا تنبع لنا بالماء . وقوله يَنْبُوعاً يفعول من قول القائل : نبع الماء : إذا ظهر وفار ، ينبع وينبع ، وهو ما نبع . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أي حتى تفجر لنا من الأرض عيونا : أي ببلدنا هذا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قوله حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً قال : عيونا . حدثنا محمد ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن أبن أبي نجيح ، عن مجاهد يَنْبُوعاً قال : عيونا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . واختلفت القراء في قراءة قوله تَفْجُرَ فروي عن إبراهيم النخعي أنه قرأ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا خفيفة وقوله فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً بالتشديد ، وكذلك كانت قراء الكوفيين يقرءونها ، فكأنهم ذهبوا بتخفيفهم الأولى إلى معنى : حتى تفجر لنا من الأرض ماء مرة واحدة . وبتشديدهم الثانية إلى أنها تفجر في أماكن شتى ، مرة بعد أخرى ، إذا كان ذلك تفجر أنهار لا نهر واحد والتخفيف في الأولى والتشديد في الثانية على ما ذكرت من قراءة الكوفيين أعجب إلى لما ذكرت من افتراق معنييهما ، وإن لم تكن الأولى مدفوعة صحتها . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً يقول ذكره لنييه محمد صلى الله عليه وسلم : وقال لك يا محمد مشركو