محمد بن جرير الطبري
103
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الباطل : هو كل ما وافق طاعته ، ولم يخصص الله عز ذكره بالخبر عن بعض طاعاته ، ولا ذهاب بعض معاصيه ، بل عم الخير عن مجيء جميع الحق ، وذهاب جميع الباطل ، وبذلك جاء القرآن والتنزيل ، وعلى ذلك قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشرك بالله ، أعني على إقامة جميع الحق ، وإبطال جميع الباطل . وأما قوله عز وجل : وَزَهَقَ الْباطِلُ فإن معناه : ذهب الباطل ، من قولهم : زهقت نفسه : إذا خرجت وأزهقتها أنا ؛ ومن قولهم : أزهق السهم : إذا جاوز الغرض فاستمر على جهته ، يقالمنه : زهق الباطل ، يزهق زهوقا ، وأرهقه الله : أي أذهبه . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثنا علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً يقول : ذاهبا . وقوله عز وجل : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاء يستشفى به من الجهل من الضلالة ، ويبصر به من العمى للمؤمنين ورحمة لهم دون الكافرين به ، لأن المؤمنين يعملون بما فيه من فرائض الله ، ويحلون حلاله ، ويحرمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة ، وينجيهم من عذابه ، فهو لهم رحمة ونعمة من الله ، أنعم بها عليهم وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً يقول : ولا يزيد هذا الذي ننزل عليك من القرآن الكافرين به إلا خسارا : يقول : إهلاكا ، لأنهم كلما نزل فيه أمر من الله بشيء أو نهى عن شيء كفروا به ، فلم يأتمروا لأمره ، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه ، فزادهم ذلك خسارا إلى ما كانوا فيه قبل ذلك من الخسار ، ورجسا إلى رجسهم قبل ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ به إِلَّا خَساراً أنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولايعيه ، وإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ يقول تبارك وتعالى : وإذا أنعمنا على الإنسان ، فنجيناه من رب ما هو فيه في البحر ، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك بعصوف الريح عليه إلى البر ، وغير ذلك من نعمنا ، أعرض عن ذكرنا ، وقد كان بنا مستغيثا دون كل أحد سوانا في حال الشدة التي كان فيها وَنَأى بِجانِبِهِ يقول : وبعد منا بجانبه ، يعني بنفسه ، كأن لم يدعنا إلى ضر مسه قبل ذلك ، كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن مجاهد ، في قوله : وَنَأى بِجانِبِهِ قال : تباعد منا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . والقراءة على تصيير الهمزة في نأى قبل الألف ، وهي اللغة الفصيحة ، وبها نقرأ . وكان بعض أهل المدينة يقرأ ذلك " وناء " فيصير الهمزة بعد الألف ، وذلك وإن كان لغة جائزة قد جاءت عن العرب بتقديمهم في نظائر ذلك الهمز في موضع هو فيه مؤخر ، وتأخير هموه في موضع ، هو مقدم ، كما قال الشاعر : أعلام يقلل راء رؤيا * فهو يهذي بما رأى في المنام وكما قال آبار وهي أبآر ، فقدموا الهمزة ، فليس ذلك هو اللغة الجودي ، بل الأخرى هي الفصيحة . وقوله عز وجل : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً يقول : وإذا مسه الشر والشدة كان قنوطا من الفرج والروح . وبنحو الذي قلنا في اليئوس ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا علي بن داود ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً يقول : قنوطا .