محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وخلق السماوات والأرض أدلة لكم على وحدانية ربكم ومعرفة إلهكم ، لتشكروه على نعمه عليكم ، فيزيدكم من فضله . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يقول تعالى ذكره : وخلق الخيل والبغال والحمير لكم أيضا لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يقول : وجعلها لكم زينة تتزينون بها مع المنافع التي فيها لكم ، للركوب وغير ذلك . ونصب الخيل والبغال عطفا على الهاء والألف في قوله : خَلَقَها ونصب الزينة بفعل مضمر على ما بينت ، ولو لم يكن معها واو وكان الكلام : " لتركبوها زينة " كانت منصوبة بالفعل الذي قبلها الذي هي به متصلة ، ولكن دخول الواو آذنت بأن معها ضمير فعل وبانقطاعها عن الفعل الذي قبلها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً قال : جعلها لتركبوها ، وجعلها زينة لكم . وكان بعض أهل العلم يرى أن في هذه الآية دلالة على تحريم أكل لحوم الخيل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيي بن واضح ، قال : ثنا أبو ضمرة ، عن أبي إسحاق ، عن رجل ، عن ابن عباس ، قوله : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها قال : هذه للركوب ركوب الأنعام . وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ قال : هذه للأكل أكل الأنعام . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : ثنا هشام الدستوائي ، قال : ثنا يحيى بن أبي كثير ، عن مولى نافع بن علقمة : أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير ، وكان يقول : قال الله وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ فهذه للأكل ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها فهذه للركوب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن ابن أبي ليلى ، عن المنهال ، عن سعيد ، عن ابن عباس : أنه سئل عن لحوم الخيل ، فكرهها وتلا هذه الآية : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها الآية . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا قيس بن الربيع ، عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه سئل عن لحوم الخيل ، فقال : اقرأ التي قبلها : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً فجعل هذه لأكل ، وهذه للركوب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية ، عن أبيه أبي غنية ، عن الحكم : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ تحمل منه الأكل . ثم قرأ حتى بلغ : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها قال : لم يجعل لكم فيها أكلا . قال : وكان الحكم يقول : والخيل والبغال والحمير حرام في كتاب الله . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا ابن أبي غنية ، عن الحكم ، قال : لحوم الخيل حرام في كتاب الله . ثم قرأ : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ إلى قوله : لِتَرْكَبُوها وكان جماعة غيرهم من أهل العلم يخالفونهم في هذا التأويل ، ويرون أن ذلك غير دال على تحريم شيء لحوم الخيل ، وأن الله جل ثناؤه إنما عرف عباده بهذه الآية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمه عليهم ونبههم به على حججه عليهم وأدلته على وحدانيته وخطأ فعل من يشرك به من أهل الشرك . ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لحم الفرس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن الأسود : أنه أكل لحم الفرس . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود بنحوه . حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم قال : نحر أصحابنا فرسا في النجع وأكلوا منه ، ولم يروا به بأسا لحم الفرس . والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثاني ، وذلك أنه لو كان في قوله